وشيئا فشيئا يجد المتأثر بالأسطورة نفسه في دائرة الفكر الماركسي الذي وحده يملك تلك الأدوات. ويحيله ذلك إلى المادية التاريخية الحاضرة في ممارسة النقد الذاتي الجريء الذي قام به المهدي آنذاك، و هو من المسئولين في إطار الحركة التي يمارس عليها النقد. وتسود الأدوات المفاهيمية العلمية الماركسية في خطاب المهدي. واعتمادا على المنهجية الماركسية في التحليل سيخلص الشهيد إلى تصور سياسي ينطلق من قراءة نقدية للحركة الوطنية وأخطائها، والتي يتضح فيها اعتماده على منهجية مادية تاريخية، وتحليل يستنتج فيه ضرورة الوضوح الإيديولوجي والسياسي وضرورة تحديد إستراتيجية للنضال الثوري وتكتيك منسجم لتحقيقها.
قد لا تعني الحياة الشخصية للمناضل شيئا، لكونها تصبح متجاوزة في التاريخ وتحضر قوته في طريقة التفكير، وهكذا يتم نسيان الأبطال غير المنتجين نظريا، والمهدي كان من الممكن أن يكون من هؤلاء لولا حضوره الفاعل والمتميز في الحركة السياسية وفي التأسيس لنظرية القوى الثورية في المغرب. وكانت كتاباته القليلة جدا، قادرة على عكس تصوره ونظرته للأشياء، فقد نستغرب في ذلك كون العديد من المنظرين الذين يشتغلون في تأسيس وجهة نظرهم ويكدسون من الكتب ما لا يحصى إلا أنهم في آخر المطاف يخفقون في تحقيق مرادهم.
إن حضور المهدي في الذاكرة الشعبية المغربية، يطرح ألف سؤال حول أسبابها ومغزاها وبالأخص حول استمراريتها المتنامية غير المتلاشية التي تثبت يوما يعد يوم ما أحوج هذا الشعب للمهدي وأمثاله.