غيره، وظل وفيا لمبادئه، يعبر عنها برجاحة الإقناع والفكر، وإذ يستعصي عليه ذلك يجادل ببعض أبيات الشعر العربي الأصيل، أو يروي طرفة من أعماق التاريخ.
وقد كان عنيدا في وطنيته، إلا أن التاريخ لا ينصف الجميع، خصوصا إذا كتب بمداد حزبي أو عبر روايات ضيقة الأفق. غير أن صاحب «حديث المفتي» ظل يصارع في كل اتجاه، إذ تقلد مناصب في السلطة ولم تؤثر في مسار حياته، وجال بين العواصم مدافعا عن قضايا وطنية وعربية، فكان خير محاور مغربي لأهل القرار في العواصم العربية.
حكى أحد متابعي سيرة الرجل أن أصعب مهمة كلفه بها الملك الحسن الثاني في عام 1982 همت توجيه الدعوة إلى قادة عرب للمشاركة في الشطر الثاني من قمة فاس، التي علقت بعد الجلسة الافتتاحية لقمة فاس الأولى، وكان عليه إقناع كل من الرئيسين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين بالمشاركة في تلك القمة، التي التأمت على خلفية لاءات الخرطوم الثلاث. وبالقدر الذي بدا فيه صدام حسين متحمسا للمشاركة، اختار غريمه التاريخي في حزب البعث سياسة التردد. لكن أحمد بن سودة أقنعه بأن قمة تتخذ قرارات تاريخية يغيب عنها الرئيس الأسد ستكون ناقصة.
عرف عن الأسد وقتذاك أنه كان شديد المراس وكان مفاوضا صعبا ينهك محاوريه في جلسات تدوم ساعات يمسك خلالها عن الكلام، وإذا شرع في الحديث كان ذلك مؤشرا على أنه سيطول ساعات. بيد أن أحمد بن سودة بدهائه وذكائه استطاع أن يقف معه، واستخدم من أجل ذلك ملكة الإقناع، حين اختار البقاء في قاعة الاستقبال وأقسم ألا يغادر قصر