صلى الله عليه وسلم لا يزحزحه أي مزحزح عن مبدئه، سائرا إلى عمله يدعو الناس إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، إن هذه لوضعية حرجة ينفذ فيها صبر الصابرين المتجلدين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤثر في شيء من ذلك، ماض في خطته مؤيدا من الله الذي أوحى إليه أن يغادر مسقط رأسه ويهاجر إلى المدينة المنورة، فكانت هذه الهجرة خير فاتحة عهد جديد في الإسلام فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بجيوش جرارة حاملين كلمة الله أكبر رافعين لواء لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخل الإسلام إلى مكة فطأطأت له رؤوس المعاندين، ورجعت العرب عن أخطائها الفكرية وتقاليدها الخرافية، فاعتنقت دستورا عظيما ليس من وضع البشر، بل أوحي به على المصلح العظيم عليه السلام، فكان هذا الدستور وهو القرآن الكريم حجرة أساسية لبناء صرح المجد والعظمة لكل معتنقيه، ومن تم والإسلام يعم الأقطار والآفاق وينتشر على وجه البسيطة انتشارا كالبرق اللامع، ففي هذه الهجرة المباركة التي أتت بهذا الخير العظيم أيها السادة، مثال قياسي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة التي ارتمت في أحصان البؤس والشقاء، والتي تريد أن ترفع مستواها لتسير عالية الرأس موفورة الكرامة محترمة الجانب ولكم في رسول الله إسوة حسنة.
نعم أيها السادة، عاش أسلافنا الكرام في عز وعظمة وتمتعوا بأنواع الحرية، وخاضوا في المعارج السياسية والحربية وخرجوا منها ظافرين منتصرين، عاشوا أسدا يخشى بأسهم مهابين موقرين، وعشنا نحن خلفهم أذلاء حقراء طعمة سائغة لكل من له استعداد لخوض غمار الحياة، ولت أجنحتنا وطويت صحف تاريخنا المجيد، وعشنا عالة على غيرنا نستغيث ولا