دمشق على السابلة والمحتاجين وتجهيز البنات الفقيرات إلى أزواجهن وإعانة العاجزين عن الحج، وإصلاح الطرق، وذكر أن لطرق دمشق رصيفين في جنبيهما يمر عليها المترجلون ويمر الركبان في وسطها. ومن أطرف ما أورده ابن بطوطة حول دمشق مسألة تتعلق بالوقف، قال:"مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صفحة من الفخار الصيني وهم يسمونها الصحن، فتكسرت، واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها وذهب الرجل معه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرا للقلوب، جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا"..
وقد أفادنا ابن بطوطة إفادات بالغة الأهمية حول بعض المنشآت الحضارية المتقدمة التي عاينها في الطريق بين الحجاز والعراق عبر نجد. فقد تحدث عن مصانع الماء في الصحراء القاحلة وسير الركب ليلا، وقد أوقدت المشاعل أمام القطار (يقصد به صفوف الجمال المتتالية) والمحارات، فترى الأرض تتلألأ نورا، والليل قد عاد نهارا ساطعا"..."
خمسة وعشرون سنة إذن من يوم الخميس 2 رجب سنة 725هـ إلى يوم الجمعة من أواخر شعبان سنة 750هـ، وهي الرحلة الأولى والرئيسة، شاهد فيها ابن بطوطة الجزائر، وتونس، وطرابلس، ومصر، وسوريا، ولبنان،