الغيبة، في الرحلة إلى مكة وطيبة"التي خلد فيها صورا مشرقة، وصفحات وضيئة من المثابرة وتحمل الشدائد والصعاب من أجل لقاء الشيوخ ومجالستهم للأخذ عنهم، ولا يكتفي في ذلك بالسماع، بل يحرص على توثيق تلك المجالس عبر استدعاء يقدمه للشيخ، فيجيزه الشيخ مذيلا ذلك بخطه، وتجده كذلك لا يكتفي بإدراج اسمه فقط؛ بل يشرك معه الحاضرين ممن صحبوه في الرحلة، والغائبين ممن قصرت بهم النفقة، والصغار والولدان ممن يرجو لهم صالح الأثر. وللتمثيل يورد الأستاذ العمراني نموذجا من استدعائه الصغير فيقول:"فصل من وقف على هذا الاستدعاء من علماء الآثار، الذين شهدت لهم بدوام الظهور على الحق صحيحات الآثار، كفيل بأن يُجيز جميع مروياته ومنقولاته ومقولاته ومصنفاته: للفقيه الصّدر أبي علي بن رَشيق، والفقيه الكاتب أبي عبد الله ابن الدّرّاج، والفقيه الفاضل أبي القاسم ابن الشاط، والفقيه المصنف أبي عبد الله ابن عبد الملك، وابنه أبي القاسم، والفقيه الصوفي أبي عبد الله ابن قطرال، وأخيه النشأة الصالحة محمد. وللفقيه المقرئ أبي عبد الله السلوي، وللفقيه أبي عبد الله الغماري، وللفقيه الأديب أبي الحجاج الطُّرْطُوشي، وللفقيهين الفاضلين، أبي محمد عبد المهيمن بن علي بن حرز الله، وأخيه أبي عبد الله، ولكاتب الأحرف محمد بن عمر بن رُشيد، ولبنيه وفقهم الله، أبي القاسم محمد، وأم السعد عائشة، وأم المجد أمة الله، ولأخواته عائشة، وفاطمة، ورحمة، ولقريبيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن رُشيد، ومحمد بن رُشيد بن موسى"؛ فأنت تلاحظ هنا أيها القارئ الكريم الكثافة العلمية والإنسانية الثاوية في هذا النص بما يمكن اعتباره تأريخا للحياة الفكرية في عهد"