وأما الثانية فيكفي من البارق شعاعه، وحسبك من شر سماعه، ويسير التنبيه كاف للنبيه. فقال: لست إلى قراي بذي حاجة، وإذا عزمت فأصالحك على دجاجة، فقلت: ضريبة غريبة، ومؤونة قريبة، عجل ولا تؤجل، وإن انصرم أمد النهار فأسجل. فلم يكن إلا كلا ولا، وأعوانه من القلعة تنحدر، والبشير منهم بقدومها يبتدر، يزفونها كالعروس فوق الرؤوس، فمن قائل أمها البجابيه، وقائل أخوها الخصي الموجه إلى الحضرة العلية. وأدنوا مربطها من المضرب عند صلاة المغرب، وألحفوا في السؤال وتشططوا في طلب النوال فقلت يا بني اللكيعة، ولو جئتم ببازي بماذا كنت أجازي، فانصرفوا وما كادوا يفعلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون حتى إذا سلت لذكاتها المدى، وبلغ من عمرها المدى، قلت: يا قوم، ظفرتم بقرة العين، وابشروا باقتراب اللقاء فقد ذبحت لكم غراب البين ..."."
ولكي نتعرف على أسلوب صاحبنا البلوي في رحلته أورد نصا ثمينا يقول فيه بشأن مكة المكرمة:"ومكة شرفها الله تعالى هي بلدة قد وضعها الله تعالى بين جبال محدقة بها وهي بطن واد مقدس كبيرة مستطيلة تسع من الخلائق عددا لا يحصيهم إلا الله عز وجل وهي البلد المباركة التي سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية، قال الله عز وجل:"أو لم نمكن لهم حرما امنا تجبى إليه ثمرات كل شيء" [القصص، 57] فبرهان ذلك فيها ظاهر إلى يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوى إليها من الأصقاع النائية، والأقطار الشاحطة، فالطريق إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة والثمرات تجبى إليها من"