فدخلها في أوائل شعبان فأبهره عمرانها وبنيانها الذي ذكّره بتلمسان وفاس، وقد أعجب كثيرا بالصالحية (حيث دفن الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي) التي ذكر أنها كثيرة الشبه بقرية العُباد بتلمسان حيث دفن العارف أبي مدين الغوث، كما استحسن أخلاق أهل دمشق وليونة طباعهم وكرم طبعهم، وأرسل إليه العالم شهاب الدين أحمد بن شاهين مفتاح المدرسة الجقمقية إكراما له واعترافا بمقامه العلمي الرفيع، والمدرسة الجقمقية نسبة إلى الأمير سيف الدين جقمق الذي حول حانقاه (مدرسة صوفية) هدمت بعد استباحة تيمورلنك لدمشق إلى مدرسة لتلقين العلم؛ شرع المقري أيضا في إلقاء دروس علمية بالجامع بالجامع الأموي -وما أدراك ما الجامع الأموي- وكان درسه مبرمجا بعد صلاة الصبح، ولما كثر الناس وتزاحموا على حلقة درس المقري خرج إلى صحن الجامع تحت القبة المعروفة بالباعونية، وهي قبة اختص في التدريس بها كبار العلماء، وكان يوم ختمه من الأيام الخالدة بالشام. حضره الألوف من الناس، فنقلت حلقة الدرس إلى وسط الصحن، ثم إلى الباب الذي يوضح فيه العلم النبوي في أيام الجمع من شهور رجب وشعبان ورمضان وجيء له بكرسي الوعظ فارتقاه وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمح له نظير من قبل، وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قرب الظهر. ولما نزل من الكرسي ازدحم الناس عليه يقبلون يده ويلتمسون بركته، ويطلبون دعاءه، ولم يتفق لأحد من العلماء الذين زاروا دمشق من قبل ما اتفق له من الإقبال والقبول في ذلك اليوم. ويمكن القول أن الإمام المقري لم يجد عزاء منذ غادر فاس إلا في محروسة دمشق، كما يدل على ذلك ما أورده بشأنها