ويرتب الفقيه أحمد بابا على هذه المعطيات التاريخية والاستنباطات الشرعية والمقاصدية حكمًا في غاية الأهمية، وهو أن كل من عرف أنه من بلاد السودان التي أسلم أهلها، وذكر أنه من تلك البلاد، فيخلى سبيله، ويحكم له بالحرية المطلقة، ولا ننسى أن صاحبنا أحمد بابا أطلق هذه الفتوى الجريئة في أوج عظمة الدولة السعدية ..
لقد وقف المؤرخ أحمد بن خالد الناصري تـ 1315هـ .. مليًا عند هذه الآفة في"الاستقصا". فقال -بكلام إنساني نبيل- عقب حديثه عن فتح المنصور لبلاد السودان، ونكبة الشيخ أحمد بابا السوداني صاحب الفتوى:"قد تبين كل مما قصصناه عليك من أخبار السودان ما كان عليه أهل تلك البلاد من أخذ بدين الإسلام من لدن قديم. وأنهم من أحسن الأمم إسلامًا وأقومهم دينًا وأكثرهم للعلم وأهله تحصيلًا ومحبة، وهذا الأمر شائع في جل ممالكهم الموالية للمغرب كما علمت، وبهذا يظهر لك شناعة ما عمت به البلوى ببلاد المغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودان مطلقًا، وجلب القطائع الكثيرة منهم في كل سنة وبيعهم في أسواق المغرب حاضرة وبادية، يسمسرون بها كما تسمسر الدواب بل أفحش، قد تمالأ الناس على ذلك وتوالت عليه أجيالهم حتى صار كثير من العامة يفهمون أن موجب الاسترقاق شرعًا هو اسوداد اللون وكونه مجلوبًا من تلك الناحية، وهذا لعمر الله من أفحش المناكر وأعظمها في الدين، إذ أهل السودان قوم مسلمون فلهم ما لنا وعليهم ما علينا".