حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، ثم أكثر من الاستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على من ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وأبي بكر الجصّاص .. لذلك يمكن اعتبار كتاب"الجامع"وثيقة ثمينة ضمت الفقه والأصول والأدب والرجال، وشاهدة على الروح العلمية السائدة في عصر القرطبي، وعلى المادة العلمية المتداولة، والعلائق بين العلماء، ومسارات انتقال العلم عبر التلمذة والإجازة والرحلة .. وكم يعتبر هذا المبحث رائقا ومفيدا، ذلك أنه شاهد موضوعي على الحياة الثقافية والفكرية وراصدا لتحولاتها قوة وضعفا ...
ولم يكن الإمام القرطبي متعصبا لمذهبه الفقهي رغم مالكيته المعلنة، وكان يذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، وينتصر لما يبدو له مستندا إلى الدليل .. وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها أبو بكر ابن العربي المالكي في تفسيره، مع العلم أن الإمام القرطبي من أكثر العلماء المتأثرين بابن العربي، لكن ذلك لم يمنعه من أن يمارس حرية كبيرة في النقد والتمحيص والمناقشة الهادئة بما أضاف لعلم التفسير فوائد عملية قطعت -بما سمحت لها الشروط الموضوعية- مع منهج في التفسير يعتمد أساسا على النقل والقصص وفي كثير من الأحيان على"الأساطير"...