وقد بيّن الإمام القرطبي شرطه ومنهجه في تفسيره بما يمكن إجماله في النقاط التالية: إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها؛ فإنه يقال:"من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله"؛ والإضراب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين؛ وتبيين آيات الأحكام بمسائل تُسفر عن معناها وترشد الطالب إلى مقتضاها؛ وإن لم تتضمن الآية حكمًا ذكر ما فيها من التفسير والتأويل؛ وذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، وبيان الغريب من الألفاظ، مع الاستشهاد بأشعار العرب (انظر"الجامع لأحكام القرآن") ..
والذي يقرأ تفسير القرطبي يجد أنه قد التزم بما شرطَه، فهو يعرِض لأسباب النزول، والغريب من الألفاظ، ويحتكم إلى اللغة كثيرًا، ويناقش الفِرق الكلامية كالمعتزلة، والقدريّة، ويناقش الفلاسفة، كما كان ينقل عن كثير ممن تقدمه في التفسير، خصوصًا من ألّف منهم في كتب الأحكام كابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، وأبو بكر الجصّاص ....
ونموذج هذا المنهج نستشفه في تفسير القرطبي لسورة الحاقة ... يقول القرطبي: قوله تعالى:"الحاقة، ما الحاقة"يريد القيامة، سميت بذلك لأن الأمور تحق فيها، قاله الطبري، كأنه جعلها من باب"ليل نائم"، وقيل: سميت حاقة لأنها تكون من غير شك، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أحقت لأقوام الجنة، وأحقت لأقوام النار، وقيل: سميت بذلك لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله ..."وما أدراك ما الحاقة".. قال يحيى بن سلام: