والملاحظة المهمة هنا هي أن حقيقة الإيمان الخالي من نواقضه المستكمل لشرائطه ينتج عنها لقب يوصف حامله بأنه مؤمن، فمن تحققت فيه هذه الحقيقة سمي مؤمنًا، ودخل في خطاب ? يا أيها الذين ءامنوا ?، ووجبت له الجنة، وقد ميز القرآن فيما لا حصر له بين المؤمنين والكفار، فلئن وصف فعلهم هنا بأنه إيمان بالباطل، فإنه ضرورة لا يطلق عليهم لقب مؤمنين، كمن آمن مثلا -مع الفارق- بالله وبالبعث ولم يؤمن بالملائكة مثلا فهذا لا يطلق عليه لقب مؤمن بل هو كافر قطعًا، فمن هنا نميز بين من صدق جازمًا بأمر ما فإذا لم يجمع إليه كل حقائق الإيمان فلا يمكن أن يسمى مؤمنًا، فالمؤمن حقيقة شرعية لا غير، ويكون وصف فعله بأنه إيمان من الإطلاق اللغوي أو العرفي.
وعلى هذا قس الآيات الأخرى التي وصف الله تعالى جحودهم فيها بأنه إيمان. والله أعلم.
قال الامام تقي الدين النبهاني رحمه الله: ومما يجب أن يُلفت النظر إليه أن اعتناق العقيدة الإسلامية معناه الإيمان بكافة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالًا وما ثبت بالدليل القطعي تفصيلًا، وأن يكون تقبل ذلك عن رضى وتسليم. ويجب أن يعلم أن مجرد المعرفة لا يغني، وأن التمرد على أصغر شيء ثابت يقينًا من الإسلام يخرج الشخص ويفصله من العقيدة. والإسلام كلٌ غير قابل للتجزئة من حيث الإيمان والتقبل فلا يجوز في الإسلام إلا أن يُتقبل كاملًا، والتنازل عن بعضه كفر،... (3)
قال في أقاويل الثقات: فإن الإيمان المعتبر في الشرع هو تصديق القلب الجازم بما علم ضرورة مجيء الرسول به من عند الله تفصيلا فيما علم تفصيلا كالتوحيد والنبوة وإجمالا فيما علم إجمالا كالأنبياء السالفة والصفات القديمة التي نطق بها القرآن وهذا هو الحق. (4)