وهو يلتقي مع ما رواه ابن جرير (16/ 485) وغيره بسند فيه ضعف عن ابن عباس: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: من القرآن؛ يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. (وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، كل ذلك في كتاب.
وقد وجدت ما يقويه من رواية عكرمة عن ابن عباس، من وجهين عن عكرمة:
الأول: رواه يزيد النحوي عنه ابن عباس؛ في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ، وقال: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ... ) الآية، وقال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ؛ فأول ما نسخ من القرآن القِبلة ... الحديث.
رواه النسائي أواخر الطلاق، وأبو داود مختصرًا.
وإسناده حسن؛ كما هو مبين في الإرواء (7/ 161/ 2080) .
والآخر: رواه سليمان التيمي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ في قول الله عز وجل: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: من أحد الكتابين؛ هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت، (وعنده أم الكتاب) ؛ أي: جملة الكتاب.
رواه ابن جرير (16/ 480،481) ، والحاكم (2/ 349) . وقال: صحيح غريب. ووافقه الذهبي.
قلت: وفي رواية لابن جرير (16/ 491) من طريق علي عن ابن عباس: (وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب؛ الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب.
وفي سنده انقطاع وضعف.
ثم اعلم أنه - وإن كان المحو والإثبات في الآية خاصًا بالأحكام الشرعية؛ كما تقدم -؛ فليس في الشرع ما ينفيهما في غيرها، بل إن ظواهر بعض النصوص تدل على خلاف ذلك؛ كمثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) ؛ وهو حديث حسن مخرج في الصحيحة (154) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره(وفي بعض الطرق: في آجله) ؛ فليصل رحمه) متفق عليه، وهو مخرج في المصدر السابق برقم (276) .
وقد صح عن ابن عباس أنه قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.
أخرجه الحاكم (2/ 350) . وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
إذا عرفت ما تقدم؛ فاعلم أن المحو المذكور والزيادة في الرزق والعمر؛ إنما هو بالنسبة للقضاء أو القدر المعلق، وأما القضاء المبرم المطابق للعلم الإلهي؛ فلا محو ولا تغيير، كما كنت شرحت ذلك في تعليقي على مختصر مسلم للمنذري (ص 470) ؛ فراجعه فإنه هام!
ثم رأيت القرطبي قد أشار إلى ذلك في تفسيره الجامع، فقال (5/ 332) : والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعًا محتومًا - وهو الثابت -، ومنه ما يكون مصروفًا بأسباب - وهو الممحو - والله أعلم.
قال الغزنوي: وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب؛ لإحاطة بعض الملائكة، فيحتمل التبديل؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال، وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدل.
وإذا عرفت هذا؛ سهل عليك فهم كثير من النصوص المرفوعة والآثار الموقوفة، وقد تقدم بعضها، وتخلصت من الوقوع في تأويلها. والله الهادي.
ثم وقفت على كلام جيد لشيخ الإسلام ابن تيمية، يؤيد ما ذهبت إليه في مجموع الفتاوى (8/ 516 - 518،540،541) و (14/ 488 - 492) ، فراجعه؛ فإنه مهم.) ?ھ [1]
قلت: قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر اختلاف المفسرين في تفسير قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (الرعد 39) : (ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء)
(1) سلسلة الأحاديث الضعيفة / الشيخ محمد ناصر الدين الالباني، دار النشر دار المعارف، الرياض -المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ / 1992 م. م 11/ ق 2/ ص 764 - 768.