الصفحة 103 من 163

(وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:(يمحوا الله ما يشاء ويثبت) يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، (وعنده أم الكتاب) يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب.

وقال قتادة في قوله: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) كقوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (البقرة 106 ) ) . [1]

3/ صلة الرحم سبب في زيادة الرزق والعمر، وبيان أن ذلك لا ينافي قضاء الله وقدره

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) . رواه الامام مسلم في صحيحه.

قال الشيخ الالباني:

(هذا الحديث نص في أن صلة الرحم سبب للزيادة في الرزق وطول العمر، ولا ينافيه أن الرزق والعمر مقدران، فإنهما مقدران بأسبابهما. ألا ترى أن دخول الجنة أو النار مقدر أيضًا، ومع ذلك فدخولهما مربوط بالسبب من الإيمان أو الكفر.

فكما أن قوله تعالى: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى 7) ، وقوله تعالى في الحديث القدسي: (هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي) [2] لا ينافي الأخذ بأسباب النجاة ودخول الجنة، بل ذلك أمر لا بد منه كما قال تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل 32) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المعروف: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة) [3] الحديث ... فكذلك أقول: من كان طويل العمر عند الله، فسييسر للأخذ بأسباب طول العمر، والعكس بالعكس، فإذًا ليس معنى كون صلة الرحم سببًا لطول العمر أن ذلك يغير ما سبق في علم الله من العمر المحدود، كما أن كون الإيمان سببًا لدخول الجنة ليس معناه أنه يغير مما سبق في علم الله من السعادة أو الشقاوة، بل الحقيقة أن الكل سبق في علم الله، من السبب والمسبب، فمن سبق في علمه تعالى أنه من أهل الجنة فقد سبق في علمه أنه يأخذ بسببه وهو الإيمان، ومن سبق في علمه تعالى أنه من أهل النار فقد سبق في علمه أيضًا أنه يأخذ بسببه وهو الكفر.

(1) تفسير القرآن العظيم / أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى 774 هـ) ، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420 هـ -1999 م، 4/ 468 - 471. وانظر غير مأمور فتح القدير / محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى 1250 هـ) ، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب -دمشق، بيروت، الطبعة الأولى -1414 هـ، 3/ 104 - 107.

(2) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ ضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الدُّرُّ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحِمَمُ، فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي» ، رواه الطبراني في مسند الشاميين/ 2213. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد/ 11777 - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ."

وفي السلسلة الصحيحة للشيخ الالباني، 1/ 77 - الحديث 48 -"إن الله عز وجل خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر".

رواه أحمد (4/ 186) وابن سعد في"الطبقات" (1/ 30، 7/ 417) ، وابن حبان في"صحيحه" (1806) ، والحاكم (1/ 31) والحافظ عبد الغني المقدسي في (الثالث والتسعين من"تخريجه"41/ 2) من طريق أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. وقال الحاكم:"صحيح". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.

قلت: وانظر الحديث: 49 و 50 من السلسلة الصحيحة.

(3) روى الامام البخاري في صحيحه/4949: عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ» ، ثُمَّ قَرَأَ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى) (الليل 6) الآيَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت