فكذلك نقول: من سبق في علمه تعالى أنه طويل العمر فقد سبق في علمه أنه يأخذ بالسبب وهو هنا صلة الرحم والعكس بالعكس. فإذا قلنا طال عمره حقيقة بصلته للرحم كما لو قلنا: دخل الجنة بإيمانه ولا فرق.
فتأمل هذا فإنه يريحك عن تكلف تأويل الحديث بما لا طائل تحته ولا مبرر له سوى البعد عن الفهم السليم لبحث القضاء والقدر، والتوفيق من الله عز وجل). ?ھ [1]
وقال: (هناك أسبابًا شرعية لإطالة العمر؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره(وفي رواية: أجله) ؛ فليصل رحمه)؛ أخرجه الشيخان من حديث أنس، وله شواهد خرجت بعضها في صحيح أبي داود (1486) . وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسن الخلق وحسن الجوار؛ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار) . أخرجه أحمد بسند صحيح؛ كما تراه مبينًا في (الصحيحة 519) . [2]
وقد يظن بعض الناس أن هذه الأحاديث تخالف الآية السابقة: (ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها ... ) ، وغيرها من الآيات والأحاديث التي في معناها! والحقيقة؛ أنه لا مخالفة؛ لأن الأحاديث المذكورة آنفًا إنما تتحدث عن مبدأ الأخذ بالأسباب، ولا تتحدث عما سبق في علم الله الأزلي من الآجال المحددة؛ فإن علم الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل؛ تمامًا كما هو الشأن في الأعمال الصالحة والطالحة، والسعادة والشقاوة، فالآيات والأحاديث التي تأمر بالإيمان والعمل الصالح، وتنهى عن نقيضهما لا تكاد تحصى، وفي بعضها يقول الله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) ، وقد ذكر العلماء المحققون أن الباء في هذه الآية؛ إنما هي باء السببية، فذلك كله لا ينافي ما سبق في علم الله تعالى من السعادة والشقاوة، بل إنما هما أمران متلازمان: السعادة مع العمل الصالح، والشقاوة مع العمل الطالح. وهذا صريح في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها) . أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في (تخريج السنة) (175 - 176) .
فانظر كيف أن نهاية الأمر كان مقرونًا بالعمل دخول الجنة والنار. فكما أنه لا يقال: إن العمل ليس سببًا للدخول؛ فكذلك لا يقال: إن صلة الرحم وغيرها ليست سببًا لطول العمر بحجة أن العمر محدود؛ فإن الدخول أيضًا محدود: (فريق في الجنة وفريق في السعير) .
وما أحسن وأجمل جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حدث أصحابه بقوله: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة) . فقالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة؛ فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة؛ فييسر لعمل أهل الشقاوة) . ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى ... ) إلى قوله: (فسنيسره للعسرى) ، أخرجه الشيخان.
وجملة القول: أن الله تبارك وتعالى جعل لكل شيء سببًا، فالعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والعمل السيئ لدخول النار، فكذلك جعل بعض الأخلاق الصالحة سببًا لطول العمر. فكما أنه لا منافاة بين العمل وما كتب لصاحبه عند ربه؛ فكذلك لا منافاة بين الأخلاق الصالحة وما كتب لصاحبها عند ربه، بل كل ميسر لما خلق له.
وأنت إذا تأملت هذا؛ نجوت من الاضطراب الذي خاض فيه كثير من العلماء؛ مما لا يكاد الباحث يخلص منه بنتيجة ظاهرة سوى قيل وقال، والأمر واضح على ما شرحنا والحمد لله، وإن شئت أن تقف على كلماتهم في ذلك؛ فراجع (روح المعاني) للعلامة الآلوسي (7/ 169 - 170 ) ) . ?ھ [3]
(1) مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري / تحقيق الشيخ الالباني، المكتب الاسلامي - الشيخ زهير الشاويش، الطبعة السادسة، بيروت ودمشق 1407 هـ -1987 م، ص 470 - 471.
(2) قلت في السلسلة الصحيحة للشيخ الالباني / 519: (إنه من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) . أخرجه أحمد (6/ 159) .
(3) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني (المتوفى 1420 هـ) ، دار النشر دار المعارف، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ / 1992 م، م 11/ق 1/ص 514 - 516.