وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكًا ينفخ فيه الروح ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. [1]
والرزق أيضًا مكتوب مقدر بأسبابه لا يزيد ولا ينقص، فمن الأسباب أن يعمل الإنسان لطلب الرزق كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك 15) ومن الأسباب أيضًا صلة الرحم من بر الوالدين، وصلة القرابات، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) [2] ومن الأسباب تقوى الله عز وجل كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ? وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق 2 - 3) ، ولا تقل: إن الرزق مكتوب ومحدد ولن أفعل الأسباب التي توصل إليه فإن هذا من العجز: والكياسة والحزم أن تسعى لرزقك، ولما ينفعك في دينك ودنياك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) [3] .
وكما أن الرزق مكتوب مقدر بأسبابه فكذلك الزواج مكتوب مقدر، وقد كتب لكل من الزوجين أن يكون زوج الآخر بعينه، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء). ?ھ [4]
و (سئل شيخ الإسلام عن الرزق: هل يزيد أو ينقص؟ وهل هو ما أكل أو ما ملكه العبد؟
فأجاب: الرزق نوعان:
أحدهما: ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير.
والثاني: ما كتبه وأعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب فإن العبد يأمر الله الملائكة أن تكتب له رزقا وإن وصل رحمه زاده الله على ذلك كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سره أن يبسط له في رزقه. وينسأ له في أثره فليصل رحمه) . [5]
وكذلك عمر داود زاد ستين سنة فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين. [6] ومن هذا الباب قول عمر: اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. [7] ومن هذا الباب قوله تعالى عن نوح:
(1) قلت: الحديث (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا و يؤمر بأربع كلمات و يقال له: اكتب عمله و رزقه و أجله و شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار و إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة) رواه الشيخان واصحاب السنن عن ابن مسعود، وقال الشيخ الألباني: (صحيح) ، وانظر الحديث رقم /1543 في صحيح الجامع.
(2) رواه الشيخان وابو داود والنسائي عن أنس، والامام احمد في المسند والامام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة. وقال الشيخ الألباني: (صحيح) ، وانظر الحديث رقم /5956 في صحيح الجامع.
(3) رواه الامام احمد في المسند والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن شداد بن أوس. وقال الشيخ الألباني: (ضعيف) ، وانظر الحديث رقم /4305 في ضعيف الجامع.
(4) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، جمع وترتيب فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الوطن -دار الثريا، الطبعة الأخيرة -1413 هـ. 2/ 96 - 97.
(5) قلت: تقدم تخريجه.
(6) قلت: تقدم تخريجه.
(7) قلت: قال الشيخ الالباني في السلسلة الضعيفة 11/ 763: (أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم! إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبًا؛ فامحه؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة) . ورواه البخاري في"التاريخ الكبير" (4/ 63) .