(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وشواهده كثيرة. والأسباب التي يحصل بها الرزق هي من جملة ما قدره الله وكتبه فإن كان قد تقدم بأنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب وذلك الذي قدره له بالاكتساب لا يحصل بدون الاكتساب، وما قدره له بغير اكتساب كموت موروثه يأتيه به بغير اكتساب، والسعي سعيان: سعي فيما نصب للرزق؛ كالصناعة والزراعة والتجارة، وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك؛ فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. [1]
والرزق يراد به شيئان:
أحدهما ما ينتفع به العبد.
والثاني: ما يملكه العبد فهذا الثاني هو المذكور في قوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة 3) وقوله: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (المنافقون 10) وهذا هو الحلال الذي ملكه الله إياه.
وأما الأول: فهو المذكور في قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود 6) وقوله صلى الله عليه وسلم (إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها) [2] ونحو ذلك. والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بهذا الاعتبار؛ لا بالاعتبار الثاني وما اكتسبه ولم ينتفع به هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول. فإن هذا في الحقيقة مال وارثه لا ماله والله أعلم). [3]
(1) قلت: الحديث (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) . رواه الامام احمد في المسند والامام مسلم في صحيحه وابو داود والترمذي وابن ماجة
عن أبي هريرة. تحقيق الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث رقم/ 6577 في صحيح الجامع.
(2) قلت: انظر غير مأمور، السلسلة الصحيحة للشيخ الالباني 6/ 865/ الحديث 2866 - (إنه ليس شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به وليس شيء يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لا تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته)
رواه أبو بكر الحداد في"المنتخب من فوائد ابن علويه القطان" (168/ 1) وابن مردويه في"ثلاثة مجالس" (188/ 1 - 2) من طرق عن يعلى بن عبيد. ورواه الحاكم (2/ 4) من طريق سعيد بن أبي هلال وللحديث شاهد، فقال الشافعي (1/ 13 -"ترتيب المسند والسنن") ، أخرجه ابن حبان وغيره، وهو مخرج في"الظلال" (420) و"التعليق الرغيب" (3/ 7) . وبالجملة فالحديث حسن على أقل الأحوال. ?ھ باختصار.
قلت: وعند ابن ماجة عن جابر الحديث: (أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم) .
قال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث / 2742 في صحيح الجامع.
قلت: وعند الحاكم والبيهقي عن جابر الحديث: لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أخذ الحلال وترك الحرام).
قال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث رقم /7323 في صحيح الجامع.
قلت: وعند ابي نعيم في الحلية عن أبي أمامة: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته) .
قال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر حديث رقم/ 2085 في صحيح الجامع.
(3) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية - المملكة العربية السعودية، عام النشر 1416 هـ/1995 م، 8/ 540 - 541.