الصفحة 108 من 163

إذا كان الله قد كتب الرزق لكل إنسان فلماذا يموت الناس من الجوع؟

(إن الله هو الرزاق وهو خير الرازقين وما من دابة إلا على الله رزقها، وإنّ رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره، ومن حكمة الله تعالى أن فارق بين العباد في أرزاقهم كما فارق بينهم في خلقهم وأخلاقهم فهو تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أن يوسع الرزق على قوم ويضيقه على آخرين فهو تعالى متكفل بأرزاق العباد على ما سبق به علم الله وكتابه وقد علم سبحانه وتعالى وكتب أن من العباد من يبسط له في رزقه ومنهم من يضيق عليه ولله في ذلك حكم بالغة لا تحيط به العقول، ومن حكمته تعالى في البسط والتضييق ابتلاء العباد بالنعم والمصائب كما قال تعالى:(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الانبياء 35) ، وقال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ? وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الانفطار 15 و 16 ) ) ، ثم قال تعالى: (كلا ) (الانفطار 17) أي ليس الأمر كما يظن هذا الإنسان بل تنعيمه تعالى وتضييقه على من شاء ليس إلاّ ابتلاء لا إكرامًا ولا إهانة، وبهذا الابتلاء يتبين الشاكر والصابر من ضدهما والله بكل شيء عليم). [1]

علاقة القدر بالأسباب في قضية الرزق

وكقضية تطبيقية على علاقة القدر بالأسباب إليك تطبيقًا عقديًا على قضية الرزق، وذلك لأهمية هذه القضية، وحاجة المسلمين إلى تجليتها، وبيان ذلك من خلال الحقائق الأربع التالية وهي:

الحقيقة الأولى: الرزق قدر من أقدار الله تعالى، ضمنه لمخلوقاته، فلا بد أن يتحقق كما ضمنه الله تعالى وعلمه في الأزل، وكتبه في اللوح المحفوظ، وهو وعد محقق، ولا يجوز للمؤمن أن يشك فيه أو يقلق عليه، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هود 6) ، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام قوله: (إن أحدكم يجمع خَلْقُه في بطن أمه أربعين يومًا نُطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون نُطفة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويَؤمر بأربع كلمات، بِكَتْب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد) . [2]

وحقيقة الأمر أن النصوص الشرعية في بيان الرزق من حيث كونه قدرًا من أقدار الله، وأن له موانع وأسبابًا، وأنه مضمون ومحدود، وأنه يزيد وينقص، ما جاءت لتكون متعارضة، وإنما لتفهم المسلم أنه لا بد أن يفهم كل نص في السياق الذي جاء فيه، كي تصنع هذه النصوص نظامًا لإيمان العبد بالقدر فيوقن أن الرزق من الله فلا يردّه إلى غيره، ولا يطلبه ممن سواه، وليوقن أن هذا الرزق الذي قدر من هذه الأقدار محدود فلا يخاف عليه، ولا يقلق على تأخره فيطلبه بمعصية الله، وليعرف أن لهذا الرزق أسبابًا مشروعة وموصِّلة إليه فيجدّ ويجتهد، ولا يتواكل ولا يتكاسل. فالأسباب قدرٌ مخلوق لله، كما نتائجها مقدورة لله سبحانه، إذ أن خالق الأسباب والمسببات واحد سبحانه، فلا بدّ للعبد من الإيمان به، وعبادته، والتوكل عليه.

الحقيقة الثانية: الأسباب الجالبة للرزق (أسباب الرزق)

(1) المصدر ... http://ar.islamway.net/fatwa/7042?ref=g-rel

إذا كان الله قد كتب الرزق لكل إنسان فلماذا يموت الناس من الجوع؟ / فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، التصنيف: العقيدة الإسلامية، تاريخ النشر 10 ذو القعدة 1427 الموافق 1/ 12 /2006.

(2) صحيح الجامع الصغير وزيادته للشيخ الالباني -الحديث 1543: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا ويؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة) .

قال الشيخ: صحيح، رواه الشيخان واصحاب السنن عن ابن مسعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت