الاخذ بالأسباب
(اعلم رحمك الله تعالى أن الناس في الأسباب انقسموا إلى فرق، ففرقة قالت: ليس لها تأثير البتة، وهذا القول فيه مكابرة للمعقولات، وفرقة قالت: أنها هي الفاعلة بذاتها، وهؤلاء هم المشركون، فهذا القول كفر وشرك - والعياذ بالله تعالى -، وفرقة قالت: إنها مؤثرة لكن لا بذاتها وإنما يجعل الله لها مؤثرة، وهذا هو الصواب وهو قول أهل السنة والجماعة، فإنكار الأسباب بالكلية قدح في الشرع والاعتماد عليها بالكلية شرك أكبر والأخذ بها مع التوكل على الله هو دين الإسلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:(اعقلها وتوكل) . [1] فقوله: (اعقلها) أخذ بأسباب حفظ الدابة، وقوله: (وتوكل) اعتراف بأن السبب وحده ليس هو الكفيل بالحفظ إلا إذا شاء الله تعالى.
واعلم أن الأخذ بالأسباب بمسبباتها، فربط المطر بوجود السحاب، وربط إنجاب الولد بالزواج، وربط دخول الجنة بالعمل الصالح، فالمسبب في شريعتنا لا يقع إلا إذا وقع سببه لكن قد يقع السبب ويختلف عنه سببه لحكمة يعلمها الله تعالى فقد يوجد السحاب ولا يوجد المطر لكن لا يوجد مطر إلا بسحاب، وقد يوجد الزواج ولا يوجد الولد لكن لا يوجد ولد إلا بجماع، وقد يتحقق العمل الصالح لكن يتخلف عنه دخول الجنة لكن لا يدخل الجنة إلا من عمل صالحًا. ولذلك قال الله تعالى بعد ما ذكر ما في الجنة وأنه أعدها لعباده المؤمنين قال: (جزاءً بما كانوا يعملون) والباء هنا باء السبب أي بسبب أعمالهم، لكن ليست باء العوض، أي لأنهم عملوا صالحًا دخلوا الجنة، كقولك: اشتريت كذا بكذا، فإن أحدًا لن يدخل الجنة بعمله حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله) . قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) . [2] فالباء في قوله: (بعمله) هي باء العوض والمقابلة. والباء في قوله تعالى: (بما كانوا يعملون) هي باء السبب، فالأعمال سبب من أسباب دخول الجنة، لكن ليست الجنة عوضًا لازمًا للأعمال، قال ذلك أبو العباس بن تيميه. [3]
إذا علمت هذا فاعلم أن الأسباب نوعان باعتبار معرفتنا بمسبباته، أي عرفنا أن هذا سبب لهذا عن طريقين عن طريق الشرع وعن طريق القدر، فالشرع يخبرنا أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء، ومترتب عليه، كقوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة 17) ، فأخبرنا أن الأعمال الصالحة سبب من أسباب دخول الجنة والآيات كثيرة، وكذلك القدر أي: عرفنا قدرًا أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء، كعلاج الحرارة دلت التجربة على أنه سبب لانخفاضها، وعلاج الإسهال دل على أنه سبب لإمساك البطن والبروز للحرارة دل على أنه سبب للإصابة بالحمى وهكذا، فمن ادعى أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء فنحن نطالبه بالدليل الذي دله على هذه السببية، إذا علم هذا فليعلم أن كل من تعلق سببًا لم يدل عليه دليل شرعي أي لم يدل على سببيته شرع من كتاب وسنة، ولم يدل عليه قدر كالتجربة مثلًا فلا يخلو من حالتين: إما أن يعتقد أن هذا السبب هو الفاعل للمسبب بذاته، فإذا اعتقد ذلك فهذا هو الشرك الأكبر، إما أن يعتقد أن الفاعل هو الله تعالى لا السبب وهذا سبب فقط فهذا شرك أصغر لأن الأصل أن الله هو الذي يربط الأسباب بالمسببات، فالأسباب الشرعية خاصة توقيفية على
(1) قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: (اعقلها وتوكل) ,
رواه ابن حبان في صحيحه وعلق عليه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان 729: حسن لغيره.
وعلق عليه الشيخ شعيب الأرنؤوط في الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان 731: حديث حسن، وأخرجه الحاكم في"المستدرك"3/ 623، والقضاعي في"مسند الشهاب""633"من طريقين عن حاتم بن إسماعيل، بهذا الإسناد، بلفظ،"قيدها وتوكل"، قال الذهبي: سنده جيد.
(2) عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل أحدا الجنة عمله) ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) .
رواه البخاري ومسلم وغيرهما
(3) قلت: انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام، 1/ 217.