الصفحة 117 من 163

الدليل فإذا اعتقد الإنسان أن هذا الشيء سبب ولا دليل عليه فيكون قد نصب نفسه مشرعًا وتكلم فيما لا يعنيه وهو حرام لا يجوز، ولأن الأسباب قد يكون ارتباطها بمسبباتها ارتباطًا غيبيًا لا يدرك فكيف يقال إن هذا الشيء سبب لهذا الشيء وهو غير محسوس ففيه نوع من ادعاء علم الغيب ولأن هذا أي اتخاذ الأسباب بلا دليل وسيلة للشرك الأكبر والقاعدة تقول: أن كل ما كان وسيلة للشرك الأكبر فهو شرك أصغر والوسائل لها أحكام المقاصد). [1]

الدعاء والتوكل

(الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب لما جعله الله سببا له فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع وتوكلت أو لم أتوكل فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن وأطعت أم عصيت ومعلوم أن هذا ضلال وكفر؛ وإن كان الأول ليس مثل هذا في الضلال إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل كتعليق سعادة الآخرة بالإيمان لكن لا ريب أن ما جعل الله الدعاء سببا له فهو بمنزلة ما جعل العمل الصالح سببا له وهو قادر على أن يفعله سبحانه بدون هذا السبب وقد يفعله بسبب آخر.

وكذلك من ترك الأسباب المشروعة المأمور بها أمر إيجاب أو أمر استحباب من جلب المنافع أو دفع المضار قادح في الشرع خارج عن العقل ومن هنا غلطوا في ترك الأسباب المأمور بها وظنوا أن هذا من تمام التوكل والتوكل مقرون بالعبادة في قوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود 123) ، والعبادة فعل المأمور فمن ترك العبادة المأمور بها وتوكل لم يكن أحسن حالا ممن عبده ولم يتوكل عليه بل كلاهما عاص لله تارك لبعض ما أمر به. والتوكل يتناول التوكل عليه ليعينه على فعل ما أمر والتوكل عليه ليعطيه ما لا يقدر العبد عليه فالاستعانة تكون على الأعمال، وأما التوكل فأعم من ذلك ويكون التوكل عليه لجلب المنفعة ودفع المضرة قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ) (التوبة 59) ، وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران 173) . فمن لم يفعل ما أمر به لم يكن مستعينا بالله على ذلك فيكون قد ترك العبادة والاستعانة عليها بترك التوكل في هذا الموضع أيضا وآخر يتوكل بلا فعل مأمور وهذا هو العجز المذموم. كما في سنن أبي داود [2] (أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم على أحدهما فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل - فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل) ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان) .

فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال ولكن عند ما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم اصبر عليه وارض وسلم قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن 11) ، قال بعض السلف - إما ابن مسعود وإما علقمة - [3] : (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ) ) . [4]

(1) الموقع الرسمي للشيخ وليد بن راشد السعيدان، رابط الموضوع: http://www.alsaeedan.net/pageother.php?catsmktba=125

(2) سنن أبي داود/ 3627 عن سيف عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل.

تحقيق الشيخ الألباني: ضعيف الكلم الطيب 137، ضعيف الجامع الصغير 1759.

(3) روى البيهقي في شعب الايمان 9976 - عن أبي ظبيان قال: كنا نعرض المصاحف عند علقمة بن قيس فمرت بهذه الآية: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) قال: فسألناه عنها: فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.

وروي هذا عن ابن مسعود.

(4) مجموع الفتاوي/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 8/ 176 - 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت