الصفحة 119 من 163

فشهود القدر في الطاعات من أنفع الأمور للعبد وغيبته عن ذلك من أضر الأمور به فإنه يكون قدريا منكرا لنعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح وإن لم يكن قدري الاعتقاد كان قدري الحال وذلك يورث العجب والكبر ودعوى القوة والمنة بعمله واعتقاد استحقاق الجزاء على الله به فيكون من يشهد العبودية مع الذنوب والاعتراف بها - لا مع الاحتجاج بالقدر - عليها خيرا من هذا الذي يشهد الطاعة منه لا من إحسان الله إليه ويكون أولئك المذنبون بما معهم من الإيمان أفضل من طاعة بدون هذا الإيمان). [1]

التعلق بالأسباب من دون الله تبارك وتعالى

(كثير من الناس تعلق بالأسباب في حمايته أو في رزقه ونحو ذلك وغفل عن ربه تعالى وهذا له أمثلة:

1 -التعلق بالأسباب في وقت الخوف الشديد، والظن بأن هذه الأسباب تحميه، ومعلوم أن الأخذ بالأسباب أمر جائز، ولكن التعلق بها من دون الله تبارك وتعالى هو المنهي عنه.

2 -تعلق الموظف بالوظيفة وظنه أنها هي وسيلة الرزق الوحيدة، وهذا أيضًا تعلق غير صحيح، بل الوظيفة ما هي إلا وسيلة من الوسائل فقط، أما طرائق الرزق فكثيرة ومتنوعة.

3 -ظنّ بعض الناس أن تحصينه لبيته أو نحو ذلك يحميه من العدو، ونقول: إن هذا أيضًا من الأسباب فقط، فينبغي تعلق القلب - مع فعلها - بالله تعالى مسبب الأسباب الذي بيده ملكوت كل شيء.

أما التعلق بالأسباب وحدها دون الله فهذا من الأمور التي لا تجوز، وعلى هذا فالتعلق بالأسباب له حالات:

الحالة الأولى: أن ينظر إلى الأسباب الصحيحة التي أوجدها الله تبارك وتعالى في هذه الحياة، فإذا نظر إليها مع اعتماده في الأصل على الله تبارك وتعالى واعتقاده أن فاعل الأسباب والمسببات هو الله، وأن مشيئة الله تبارك وتعالى نافذة، فهذا لا شيء فيه، فإن الإنسان يفعل ما في وسعه من الأسباب، فيغلق الباب، ويحصن البيت، لكن مع اعتماده وتوكله على الله تبارك وتعالى.

الحالة الثانية: أن يتعلق قلبه بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، مثل ظن البعض أن أصحاب القبور قد يشفون المريض أو يقضون الحاجات أو نحو ذلك، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.

الحالة الثالثة: أن يعتمد على سبب شرعي صحيح، لكنه يغفل عن مسبب ذلك، وهو الله سبحانه وتعالى، فهذا فيه نوع شرك لكنه لا يخرج من الملة. والواجب الحذر منه.) [2]

الوسائل الكونية والشرعية

(إذا عرفنا أن الوسيلة هي السبب الموصل إلى المطلوب برغبة فاعلم أنها تنقسم إلى قسمين: وسيلة كونية، ووسيلة شرعية.

فأما الوسيلة الكونية: فهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقها الله بها، ويؤدي إلى المطلوب بفطرته التي فطره الله عليها، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر من غير تفريق، ومن أمثلتها الماء فهو وسيلة إلى ريّ الإنسان، والطعام وسيلة إلى شبعه، واللباس وسيلة إلى حمايته من الحر والقر، والسيارة وسيلة إلى انتقاله من مكان إلى مكان، وهكذا.

وأما الوسيلة الشرعية: فهي كل سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى، وبينه في كتابه وسنة نبيه، وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله.

ومن أمثلتها: النطق بالشهادتين - بإخلاص وفهم - وسيلة إلى دخول الجنة والنجاة من الخلود في النار، وإتباع السيئة الحسنة وسيلة إلى محو السيئة، وقول الدعاء المأثور بعد الأذان وسيلة إلى نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلة الأرحام وسيلة لطول العمر وسعة الرزق، وهكذا.

(1) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 8/ 330 - 331.

(2) أخطاء في العقيدة / الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة، الاصدار 3.43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت