فهذه الأمور وأمثالها إنما عرفنا أنها وسائل تحقق تلك الغايات والمقاصد عن طريق الشرع وحده، لا عن طريق العلم أو التجربة أو الحواس، فنحن لم نعلم أن صلة الرحم تطيل العمر وتوسع الرزق إلا من قوله صلوات الله وسلامه عليه: (من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فَلْيَصِلْ رحمه) ، (رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في كتاب صحيح أبي داود/1486) -وهكذا الأمثلة الأخرى.
ويخطئ الكثيرون في فهم هذه الوسائل بنوعيها خطأ كبيرًا، ويهمون وهمًا شنيعًا، فقد يظنون سببًا كونيًا ما يوصل إلى غاية معينة، ويكون الأمر بخلاف ما يظنون، وقد يعتقدون سببًا شرعيًا ما يؤدي إلى مقصد شرعي معين، ويكون الحق بخلاف ما يعتقدون). [1]
7/ القدر والشرع (ألا له الخلق والأمر)
أن الشرع مرتبط بالقدر، وكل من اختل فهمه في عقيدة القضاء والقدر سيختل توازنه في تطبيقه لقضية الأمر والنهي والشرع الذي شرعه الله تبارك وتعالى، وهذا نحسه ونلمسه دائمًا من أولئك الذين يحتجون بالقدر أحيانًا.
فقضية القضاء والقدر من القضايا المرتبطة ارتباطًا متينًا بقضية ما سيفعله الإنسان، أو ما أمر به وما نهي عنه على مقتضى الشريعة الإسلامية.
ومن هنا كان أولئك الذين يحتجون بالقضاء والقدر أول ما يحتجون به على انحرافهم في اتباع الأمر والنهي، فلما كانت قضية القضاء والقدر قضية عقدية مرتبطة بقضية الشرع وحياة الإنسان العملية، بل واستقراره النفسي في سيره إلى ربه تبارك وتعالى. [2]
فالخير والشر من تقدير الله. وقدر الله سبحانه وتعالى متعلق بكل شيء من الأحوال الكونية والأوامر الشرعية، فإن الأمر كله لله، والخلق كله لله، كما في قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ(الأعراف 54) ، وقدره سبحانه متعلق بسائر أمره وخلقه.
(وينبغي أن يعلم أن أكبر مشكلة في قضية القضاء والقدر هي الزعم بان هناك تناقضًا بين القدر والشرع، فالمؤمن الحق هو الذي يؤمن بقضاء الله وقدره، ويؤمن بأمره وشرعه ولا يجعل بينهما تعارضًا، كما دل على ذلك قوله تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (الأعراف 54) فالخلق: هو القضاء والقدر، والأمر: هو الشرع، فمن جعل بينهما تعارضًا وتناقضًا وتصادمًا فهو الذي وقع في شبهة القضاء والقدر ومن آمن وصدق بهما من المؤمنين فلا يقع في شيء من ذلك.) [3]
روى الامام البخاري في خلق أفعال العباد:
-قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ بِقَوْلِهِ: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) ، فَالْخَلْقُ بِأَمْرِهِ كَقَوْلِهِ: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) ، وَكَقَوْلِهِ: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وَكَقَوْلِهِ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ) ، وَلَمْ يَقُلْ بِخَلْقِهِ.
-عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا الْقَدَرُ ... ؟ قَالَ، قَالَ: يَا مُجَاهِدُ أَيْنَ قَوْلُهُ: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) . [4]
و (الحق أننا نجمع بين القدر والشرع؛ لأنه تعالى هو الحَكَم وحده:(أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) (الأَعراف 54) ،
(1) التوسل أنواعه وأحكامه / أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى 1420 هـ) / تحقيق محمد عيد العباسي، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الأولى 1421 هـ -2001 م، ص 18.
(2) دروس للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود / المصدر: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الدرس /11 - القضاء والقدر. http://www.islamweb.net
(3) تيسير لمعة الاعتقاد / الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود، جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ / عبد الرحمن بن صالح المحمود، www.almahmood.islamlight.net
(4) خلق أفعال العباد / الامام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى 256 هـ) ، تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة، دار المعارف السعودية - الرياض، الاثر 113 و 114.