أي له وصفًا وفعلًا الخلق الشامل لكل مخلوق، والأمر الشامل لجميع الأحكام الشرعية؛ فكما أنه لا خالق سواه فكذلك لا حاكم سواه.
وكما أن مخلوقاته مشتملة على الحكمة والرحمة فشرعه العظيم كذلك بل أعظم وأجل؛ إذ إنه كلَّه حكمةٌ ورحمةٌ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50) .
وبالمراعاة الصحيحة لقدر الله وشرعه تتحقق العبودية الحقة لله، ويكون القائم بذلك من الذين أنعم الله عليهم، وكفى بذلك غبطة وسعادة) [1]
قال الشيخ العثيمين: (والجامع لهذا: أنه لا بد في الأمر من أصلين، ولا بد في القدر من أصلين أيضا.
أما الأصلان في الأمر فهما:
أصل قبل العمل أو مقارن له وهو: الاجتهاد في الامتثال علما، وعملا فيجتهد في العلم بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، فعلا للمأمور، وتركا للمحظور.
والثاني: أصل بعد العمل وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور، أو التعدي في المحظور ولهذا كان من المشروع ختم الأعمال بالاستغفار كما قال الله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) . فقاموا الليل وختموه بالاستغفار)
(وأما الأصلان في القدر فهما:
أصل قبل المقدور وهو: الاستعانة بالله عز وجل، والإستعاذة به، ودعاؤه رغبة ورهبة فيكون معتمدا على ربه، ملتجئا إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه.
والثاني بعد المقدور وهو: الصبر على المقدور حيث يفوت مطلوبه، أو يقع مكروهه فيوطن نفسه عليه بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره الله تعالى فيرضى بذلك ويسلم وينشرح صدره ويذهب عنه الندم والحزن كما قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التغابن 11) . قال ابن عباس رضي الله عنهما: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.)
(فإذا راعى الأمر والقدر على الوجه الذي ذكرنا كان عابدا لله تعالى مستعينا به متوكلا عليه من الذين أنعم الله عليهم. وقد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع كقوله تعالى:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة 4) ، وقوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود 123) ، وقوله: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود 88 ) )
(والناس في هذا المقام - مقام الشرع والقدر- أربعة أقسام:
الأول: من حققوا هذه الأصول الأربعة، أصلي الشرع، وأصلي القدر، وهم المؤمنون المتقون الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به ما تصلح به أحوالهم، فكانوا لله، وبالله، وفي الله، وهؤلاء أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية، وهم أعلى الأقسام فإن هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين.
الثاني: من فاتهم التحقيق في أصلي القدر، فكان عندهم من عبادة الله تعالى والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله، ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد يكون سببا لحبوط عملهم وخذلانهم، وهؤلاء أضعف ممن سبقهم وأدنى مقاما وأقل عدلا، لأن شهودهم مقام الإلهية غالب على شهود مقام الربوبية.
(1) القصيدة التائية في القدر لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية / دراسة، وتحقيق، وشرح الباحث محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد.