23/ الإنسان مخير باعتبار ومسير باعتبار؛ فهو مخيَّر باعتبار أن له قدرة ومشيئة واختيارًا، ومسيَّر باعتبار أنه في جميع أفعاله داخل في القدر راجع إليه، ولكونه لا يخرج عما قدره الله له. وأفعال العبد قسمان أفعال هو مُجبر عليها مُسيَر عليها كحركة القلب والهرم ونحوها، وأفعال هو مُخيَر فيها وهي مناط التكليف. وأن ما وقع باختيار العبد هو مناط التكليف، وفعل العبد الاختياري وغير الاختياري هما من جُملة القضاء والقدر.
وخلاصة المسألة: إن للإنسان مشيئةً يختار بها، وقدرةً يفعل بها، وقدرته ومشيئته تابعتان لمشيئة الله، واقعتان بها.
24/ للعبد قدرة واختيار ومشيئة لا يجبره على فعله الاختياري أحد حتى خالقه بل يفعل ما يفعله بمحض إرادته وحسب مشيئته، لكن فعله هذا وإرادته هذه داخله في خلق الله تعالى له كما أنها مسبوقة بعلم الله الأزلي فلا يعمل عملًا إلا وقد سبق تقديره وإرادته في علم الله الأزلي وكتبه عنده في كتابه الذي جرى بما كان ويكون إلى قيام الساعة وعلم الله كاشف لا مُكره ولا تأثير لما سبق في علم الله وكتابته وتقديره على محض اختيار العبد وإرادته فكتابة الله المقادير في اللوح المحفوظ هي كتابة علم وليست كتابة إجبار والله عز وجل يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون فعلمه مطلق وقد أحاط بكل شيءٍ علمًا ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وكتابة أفعال العباد الاختيارية في اللوح المحفوظ فرع عن علمه عن الخلق وما سيعملون وعلى هذا فالمكتوب من أعمال العباد الاختيارية واقع لا محالة، لا، لأن المكتوب جبر للعبد بل لأن المكتوب فرع عن علم الله المُطلق المُحيط بخلقه.
25/ لا يُحتج بالقدر على الشرع.
26/ محل جواز الاحتجاج بالقدر:
الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به والتوحيد والتوكل على الله والنظر إلى سبق قضائه وقدره فهو محمود مأمورٌ به وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية، وكذلك إذا فعل ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه ثم لم يحصل له مُراده بعد اجتهاده فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره كان محمودًا وكذلك إذا احتج بعد التوبة من الذنب ومغفرة الله وأيضًا يجوز الاحتجاج بالقدر والعذر به في أخطاء الخلق في حق العبد الخاص.
27/ حكم الاحتجاج بالقدر على الذنوب وظلم العباد فيما بينهم:
إن اعتذار المذنبين والظالمين واحتجاجهم بالقدر يُنافي التوبة إلى الله من الذنوب والمعاصي، ويعتبر خللًا في العقيدة، وينقل العبد من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك والكفر.
28/ إنكار القدر لم يكن معروفًا عند العرب لا في جاهليتها ولا في إسلامها، وإنما أتاهم ذلك من الأمم الأخرى.
29/ أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.
30/ حكم الخوض في القدر: إن البحث في القضاء القدر من أجلِ تعلم ما يجب على المسلم اعتقاده ويصحح به إيمانه واجب، ومعلوم أنه لا يتحقق هذا الإيمان الواجب إلا بعد العلم به.
وأما الخوض في القضاء والقدر بالظن وعدم العلم ومحاولة علم ما لا تهتدي العقول إلى معرفته فإنه لا يجوز.
فهذه خلاصة ما تضمنه البحث، ولله الحمد من قبل ومن بعد.