ويقولون: إنَّ الخلق ثابت ولكن ليس عامًَّا.
وسُمُّوا بالقدرية لأنهم ينفون بعض مراتب القدر.
وهذه الفرقة باقية إلى الآن في أمصار كثيرة من بلاد المسلمين.
ثانيًا / الجبرية: وهم أيضا فِرَق:
1 -الفرقة الأولى: هم الغلاة، وهم الذين يقولون إنَّ الإنسان مجبور على كل شيء، وحركاته كحركة الريشة في مهب الهواء، وكحركة الخشبة في البحر، فإنَّ الأمواج تتقاذفها وليس لها اختيار، وكذلك الريشة يُقَلِّبُهَا الهواء وليس لها اختيار.
ويقولون: إن العبد ليس له اختيار وإنما هو مفعول به في كل أحواله، سواء من ذلك الطاعات والمعاصي، فَصَلَّى مجبورًا، وصام مجبورًا، وسرق مجبورًا، وغشّ مجبورًا.
ويقولون: إنَّ أفعال الله عز وجل غير مُعَلَّلَة، فقد يُعَذّب المطيع الصالح، وقد يُعْطِي ويُنَعِّم الكافر الطاغوت.
2 -الفرقة الثانية: وهم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم ممن غَلَوا في إثبات مشيئة الله عز وجل وخلقه، وقالوا إنَّ الإنسان ليس مجبورًا على كل حال؛ ولكن هو مجبور باطنًا لا ظاهرًا؛ يعني في الباطن مجبور ما يتحرك بإرادته ولكن في الظاهر تصرفاته بإرادته، فَيُحَاسَبُ على تصرفاته الظاهرة، وأما الذي دَفَعَهُ في الحقيقة فهو أمر باطن مُجْبَر عليه من الله عز وجل. [1]
وقال الشيخ عبد الرحيم السلمي:
(يدخل في منكر القدر:
القدرية الذين أنكروا القدر بالجملة، والذين أنكروا القدر وقالوا: إن الله يعلم ما يفعل العبد، ولكنه لم يكتب شيئًا ولم يشأ من العباد شيئًا، ولم يخلق أفعالهم، بل العباد يخلقون أفعال أنفسهم، وهؤلاء يسمون القدرية، وهم المعتزلة.
والنوع الثاني: الجبرية، وهم الذين أثبتوا القدر، ولكن أنكروا معناه الحقيقي الشرعي.
فالقدرية والجبرية مع أن كل واحد منهما على النقيض من الآخر إلا أن كلًا منهما يعتبر منكرًا للقدر؛ لأن معنى إنكار القدر هنا هو إنكار القدر المشروع الذي بيّنه الله عز وجل وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقدرية أنكروا، والجبرية أثبتوا، إلا أن الإثبات ليس إثباتًا شرعيًا، فهو يتضمن إنكار القدر بالمعنى الشرعي.
والجبرية قالوا: إن الله عز وجل جبر العباد على المعاصي والذنوب، وإنهم معذورون لذلك.
وأما القدرية فقالوا: إن الله عز وجل لم يكتب مقادير العباد، ولم يخلق أفعالهم، بل العبد يخلق فعل نفسه، فنسبوا الخلق إلى العبد، ولهذا سماهم السلف مشبهة الأفعال مأوِّلة الصفات، فهم معطِّلة ومشبِّهة في ذات الوقت، معطِّلة بالنسبة لبقية الصفات، ومشبِّهة بالنسبة لأفعال الله سبحانه وتعالى، حيث شبّهوا العباد بالله في كونهم يخلقون ويقومون بهذه الأعمال بدون أن تكون هناك قدرة وإرادة من الله عز وجل عليهم). [2]
(1) باختصار وتصرف من شرح العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، والمسمى بـ: ... (إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل) ، شرحها فضيلة الشيخ العلامة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، بدأ فضيلته بشرحها في مدينة الرياض يوم السبت 13 ذي القعدة 1417 هـ، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة - الاصدار 3.48.
(2) شرح كتاب التوحيد / الشيخ عبد الرحيم بن صمايل العلياني السلمي، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية - الدرس الاول، http://www.islamweb.net
وانظر غير مأمور: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد / الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة 1420 هـ -1999 م، ص 209 - 301، والدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية / الشيخ أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، أضواء السلف، الطبعة الأولى، 1419 هـ -1998 م، ص 26 - 27.