كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام ورفعت الصحف). [1]
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ ينكتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ فقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ) فقَال رَجُلٌ: أَلَا نَتَّكِلُ؟ فقَالَ: (اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ) ثُمَّ قَرَأَ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ? وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ? فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ? وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ? وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ? فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى) (الليل 5 ـ 10) . [2]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ كأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الِاخْتِصَاءِ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ على ذَلِك أَو ذَر) . [3]
وقَالَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ أَمْرِنَا كَأَنَّا نَنْظُرُ إِلَيْهِ أَبِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَثَبَتَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَوْ بِمَا يُسْتَأْنَفُ؟ قَالَ: (لَا بَلْ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَثَبَتَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ) قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا؟ قَالَ: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ مِنِّي الآن). [4]
2 -التقدير يوم أخذ الميثاق (التقدير العمري يوم الميثاق، أو التقدير الميثاقي، أو التقدير البشري، [5] أو كتابة الميثاق) :
وهو التقدير الذي أخذ الله فيه الميثاق على جميع البشر بأنه ربهم، وأشهدهم على أنفسهم بذلك، والذي قدر الله فيه أهل السعادة وأهل الشقاوة، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف 172) .
وهذه الكتابة الثانية لكِتَابَة مقادير الخلق من حيث الشّقاوة والسعادة، والخلق هم خاصةَ المكلفين.
وهذه التي تأتي فيها أحاديث الميثاق وأنَّ الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه فنثرهم أمامه كهيئة الذَّر وأخذ عليه أن لا يشركوا به شيئًا، وقَبَضَ قبضة إلى الجنة وقبضة إلى النار وكتب أهل الجنة وكتب أهل النار، ونحو ذلك مما جاء في السّنة من بيان ذلك. وهذا تقديرٌ بَعْدَ الأول، وهو قبل أن يُخْلَقَ جِنْسُ المكلفين أي من الإنسان، لمَّا خلق الله عز وجل آدم عليه السلام.
فعن هشام بن حكيم أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال: أَتُبْدَأُ الأعمال أم قد قُضِيَ القضاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار؛ فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار) . [6]
(1) رواه الامام احمد في المسند والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس. وصححه الشيخ الالباني وانظر صحيح الجامع / 7957، والحديث مخرج في المشكاة، وتخريج السنة /316 - 318 والأحاديث المختارة (59/ 199 - 200) .
(2) رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان/335.
(3) رواه الامام البخاري في صحيحه -كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء/5076.
(4) رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان/338.
(5) قلت: قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن هذا التقدير: (التقدير البشري داخل في التقدير العام؛ ولهذا أعرض عنه أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية، وأكثر أهل العلم فيما أعلم) . نقلا من الايمان بالقضاء والقدر/ محمد بن ابراهيم الحمد، دار الوطن - الرياض، الطبعة الثانية، 1416ھ، ص 69.
(6) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بتحقيق الشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، ط 1، 1400 هـ، 1/ 73، وقال الألباني: ... (إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات، والسيوطي في الدر المنثور 3/ 604 وقال: أخرجه ابن أبي جرير والبزار والطبراني والآجري في الشريعة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات) .