قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن الله عز وجل خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر) . [1]
3 -التقدير العُمُري (التقدير العمري الذي عند أول تخليق النطفة أو الكتابة العمرية) :
وهو تقدير كل ما يجري على العبد في حياته إلى نهاية أجله، وكتابةُ شقاوته، أو سعادته، في بطن أمه في أطوار الحمل الاولى، وقد دل على ذلك حديث الصادق المصدوق في الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعًا: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل المَلَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ) . [2]
وهذه الكتابة العُمرية هي تفصيلٌ لما في اللوح المحفوظ، لأنَّ الذي في اللوح المحفوظ شامل لكل المخلوقات، وهذا مُتعلِقٌ بهذا المخلوق المعين وحده.
4 -التقدير السنوي (التقدير الحولي أو الكتابة السنوية أو الحولية) :
قال تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان 4) ، فإنه يكتب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير، والشر، والأرزاق. وقوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر 4 - 6) .
قيل: يكتب فيها (أي هذه الليلة) ما يحدث في السنة من موت وحياة، وعز وذل، ورزق ومطر، حتى الحجاج يُقال: يحج فلان، ويحج فلان. رُوي هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وكذا الحسن البصري، وسعيد ابن جبير. [3]
وهذه تُكْتَبْ فيها المقادير في تلك السَّنَةْ، من السَّنَةْ إلى السَّنَةْ، أي أنَّ الله تعالى يوحي إلى ملائكته بأن يكتبوا أشياء مما في اللوح المحفوظ فتكون بأيديهم مما سيحصل للناس.
5 -التقدير اليومي (الكتابة اليومية) :
وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها، وهو التطبيق العملي والواقعي للكتابة السنوية. لقوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن 29) .
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن 29) قَالَ:
(مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا ويرفع قومًا ويضع آخرين) . [4]
وقيل في تفسيرها: شأنه أن يُعِزَّ ويُذِل، ويرفع ويخفض، ويُعطي ويمنع، ويُغني ويُفقر، ويُضحِكَ ويُبكي، ويُميت ويُحيي، إلى غير ذلك. [5]
قال الشيخ السعدي: (( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) يغني فقيرا، ويجبر كسيرا، ويعطي قوما، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين، ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين، ولا استغناء الفقراء الجاهلين
(1) قال الشيخ الالباني في الصحيحة /48: رواه أحمد (4/ 186) وابن سعد في"الطبقات" (1/ 30، 7/ 417) ،
وابن حبان في"صحيحه" (1806) ، والحاكم (1/ 31) والحافظ عبد الغني المقدسي في (الثالث والتسعين من"تخريجه"41/ 2) من طريق أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. وقال الحاكم:"صحيح". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(2) رواه البخاري (3208 و 3332 و 6594 و 7454) ، ومسلم (2643) ، وابن ماجه (76) .
(3) انظر زاد المسير لابن الجوزي 7/ 338، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 140، وفتح القدير للشوكاني 4/ 572، وانظر أعلام السنة المنشورة ص 129 - 133.
(4) رواه ابن حبان في صحيحه - الحديث 688، وصححه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان وتمييز سقيمه من صحيحه، وشاذه من محفوظه، دار باوزير للنشر والتوزيع، جدة -المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1424 هـ -2003 م.
(5) انظر زاد المسير 8/ 114، وتفسير القرآن العظيم 4/ 275، وفتح القدير 5/ 136.