الصفحة 71 من 163

به وبكرمه، وهذه الشؤون التي أخبر أنه تعالى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، والقدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى إذا تمت هذه الخليقة وأفناهم الله تعالى وأراد تعالى أن ينفذ فيهم أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله وكثرة إحسانه، ما به يعرفونه ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان إلى دار الحيوان. وفرغ حينئذ لتنفيذ هذه الأحكام، التي جاء وقتها، وهو المراد بقوله: (سَنَفْرُغُ لكم أيها الثقلان ? فبأي آلاء ربكما تكذبان) (الرحمن 31 و 32) أي: سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في دار الدنيا). ?ھ [1]

ثم هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي والحولي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في الإمام المبين؛ والإمام المبين هو من علم الله عز وجل، وكذلك منتهى المقادير في آخريتها إلى علم الله عز وجل، فانتهت الأوائل إلى أوليته، وانتهت الأواخر إلى آخريته، قال تعالى: (وأن إلى ربك المنتهى) (النجم 42) . [2]

وهذه الكتابات الخمسة كلها قبل وقوع العمل من الانسان، قال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس 12) ، (وهو اللوح المحفوظ؛ وهو أم الكتاب؛ وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء؛ يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها، والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظها لها والإحاطة بعددها واثباتها فيه، وقال تعالى:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأَنعام 38) ، وقد اختلف في الكتاب ههنا: هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ؟ على قولين فقالت طائفة المراد به: القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل 89) ، ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد إن كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود وقد لعن الواصلة والمستوصلة: (ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه) ، فقالت امرأة: لقد قرأت القرآن فما وجدته، فقال: (إن كنت قرأتيه فقد وجدته) ، قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر 7) ، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة، وقال الشافعي: (ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها) .

وقالت طائفة: المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) ، وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال: (إلى ربهم يحشرون) ، فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول.

(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420 هـ -2000 م. ص 830.

(2) انظر غير مأمور في هذه المسألة: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول/ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى:1377 هـ) ، المحقق عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى، 1410 هـ -1990 م، 3/ 928 - 940. والقصيدة التائية في القدر لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية / دراسة وتحقيق وشرح: الباحث محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد. نسخة الكترونية: www.toislam.net. وللدكتور الرضواني كتاب سهل في التوحيد والعقيدة، مكتبة سلسبيل. موقع العقيدة المصرية، www.alridwany.com. والقضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة، ومذاهب الناس فيه / الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، الطبعة الثانية، 1418 هـ -1997 م. وشرح العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي والمسمى بـ (إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل) / شرحها فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة، الاصدار 3.48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت