ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن ههنا الأخبار عن تضمنه لذكر ذلك والأخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا، ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الأَنعام 37) ، فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأَعراف 54 ) ) . [1]
أما الكتابة بعد العمل فهي التي تكتبها الملائكة بعد وقوع العمل من الانسان، قال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ? إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ? مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق 16 - 18) ، (قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: (أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت) ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد 39) ، وذكر عن الإمام أحمد [2] أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال: (يكتب الملك كل شيء حتى الأنين) ، فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله). [3]
وقال تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ? كِرَامًا كَاتِبِينَ ? يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار 10 - 12) . فالملائكة الحفظة يكتبون ما يقوم به الإنسان من قول، وما يقوم به من فعل؛ سواء كان ظاهرًا؛ كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطنًا حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان، فإنه يكتب عليه. [4]
خلاصة مراتب التقدير
التقدير الشامل ... التقدير الميثاقي ... التقدير العمري ... التقدير الحولي ... التقدير اليومي
الكتابة الاولى ... كتابة الميثاق ... الكتابة العمرية ... الكتابة الحولية ... الكتابة اليومية
عام وشامل لكل المخلوقات ... خاص بالمكلفين من البشر ... خاص بكل انسان ... يكتب ما سيحصل للناس في تلك السنة ... يكتب ما يحصل للناس في ذلك اليوم ... (معين)
قبل الخلق بخمسين ألف سنة ... قبل خلق جنس المكلفين من الانس لما خُلق آدم ... في بطن امه في اطوار الحمل الاولى ... في ليلة القدر من كل سنة ... في كل يوم
(1) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1398 هـ/1978 م، ص 40 - 41.
(2) رواه صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه. نقلًا عن تفسير ابن كثير/ سورة ق الآية 17.
(3) تفسير ابن كثير/ سورة ق الآية 17.
(4) انظر غير مأمور في تفسير الآية (10 - 12) من سورة الانفطار، في: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420 هـ -2000 م، ص 914.
والجامع لأحكام القرآن /أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى 671 هـ) ، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة الثانية،1384 هـ -1964 م، 19/ 248.