وتوضيح ذلك كما قال العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى: (أن العبد إذا صلى، وصام، وعمل الخير، أو عمل شيئًا من المعاصي كان هو الفاعل لذلك العمل الصالح، والعمل السيِّئ، وفعله المذكور - بلا ريب - واقع باختياره، وهو يحس - ضرورة - أنه غير مجبور على الفعل أو الترك، وأنه لو شاء لم يفعل، وكما أن هذا هو الواقع، فهو الذي نص الله عليه في كتابه، ونص عليه رسوله صلى الله عليه وسلم حيث أضاف الأعمال صالحها، وسيَّئها إلى العباد، وأخبر أنهم هم الفاعلون لها، وأنهم محمودون عليها إذا كانت صالحة، ومثابون عليها، ومذمومون إذا كانت سيئة، ومعاقبون عليها.
فقد تبين بهذا واتضح أنها واقعة منهم وباختيارهم، وأنهم إن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا تركوا، وأن هذا الأمر ثابت عقلًا وحسًا، وشرعًا، ومشاهدة.
ومع ذلك إذا أردت أن تعرف أنها - وإن كانت كذلك - واقعة منهم، كيف تكون داخلة في القدر؟ وكيف تشملها المشيئة؟ فيقال: بأي شيء وقعت هذه الأعمال الصادرة من العباد خيرها وشرُها؟ فيقال: بقدرتهم، وإرادتهم.
والذي خلق ما تقوم به الأفعال هو الذي خلق الأفعال؛ فهذا الذي يحل الإشكال، ويتمكن العبد أن يعقل بقلبه اجتماع القدر، والقضاء، والاختيار.
ومع ذلك فهو تعالى أمد المؤمنين بأسباب، وألطاف، وإعانات متنوعة، وصرف عنهم الموانع، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وأما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة) . [1]
وكذلك خذل الفاسقين، ووكلهم إلى أنفسهم؛ لأنهم لم يؤمنوا به، ولم يتوكلوا عليه، فولاَّهم ما تولوه لأنفسهم). [2]
وقال الشيخ الفوزان: (أفعال العباد هي فعلهم بإرادتهم ومشيئتهم، وهي خلق الله عز وجل(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات 96) ، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر 62) ، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر 3) فالله منفرد بالخلق والتقدير، والعبد له مشيئته وإرادته، وله فعل، فهو باختياره يذهب إلى المسجد، وباختياره يذهب إلى المسارح؛ لأن عنده قدرة، والإنسان الذي لم يعطه الله قدرة ولا استطاعة فهذا قد عذره الله، مثل المجنون والمكره، فليس عنده إرادة، وليس عنده قصد، أما من عنده إرادة وقصد، فهذا الذي يختار الفعل لنفسه، والعقاب والثواب يقع على فعله، وليس على فعل الله عز وجل.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة 62) (النساء 59) ، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) (آل عمران 116) أسند الإيمان إليهم، وكذلك أسند الكفر (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (النساء 59) (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (النور 52) أسند الأفعال إلى العباد.
والدليل على أن العبد له إرادة وقصد قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان 30) ، فأثبت الله سبحانه له مشيئة وللعبد مشيئة، وجعل مشيئة العبد تحت مشيئته سبحانه). [3]
وقد أثبت أهل السنة والجماعة المشيئتين، وجعلوا مشيئة العبد مربوطة بمشيئة الله، أخذًا من الآيتين السابقتين فقوله: (وما تشاءون) فيه إثبات مشيئة العباد، وقوله: (إلا أن يشاء الله) فيه إثبات مشيئة الله عز وجل، وفي الآية أن مشيئة العبد ليست مستقلة، وإنما هي مربوطة بمشيئة الله؛ لأنه خلق من خلق الله، خلقه وخلق مشيئته وخلق إرادته، ولهذا لما قال بعض الناس للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال عليه الصلاة والسلام: (أجعلتني لله ندًا؟) أي: شريكًا في المشيئة (قل: ما شاء الله وحده) . [4] ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن
(1) رواه الامام مسلم في صحيحه - كتاب القدر /2647.
(2) التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة / العلامة أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى 1376 هـ) ، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى، 1414 هـ. ص 100 - 102.
(3) التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية / الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار العاصمة للنشر والتوزيع، ص 210 - 211.
(4) روى البخاري في الادب المفرد/ 605/ 783 - (صحيح) عن ابن عباس، قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت! قال:"جعلتَ لله ندًّا؟! ما شاء الله وحده".