قومًا يقولون: ما شاء الله وشاء محمد، أنكر ذلك وقال: (قولوا؛ ما شاء الله ثم شاء محمد) ، [1] فجعل مشيئته مرتبة على مشيئة الله بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي، لا بالواو؛ لأنها تقتضي التشريك. [2]
افتقار الخلق إلى الله عز وجل
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر 15) .
يا أيها الناس أنتم المحتاجون إلى الله في كل شيء، لا تستغنون عنه طرفة عين، وهو سبحانه الغنيُّ عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته، الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته، المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بالناس فمنه، فله الحمد والشكر على كلِّ حال.
هذا مما ينبغي تأديب المسلمين بفقهه، ولاسيما في التعبيرات والألفاظ، كتعليق المشيئة على مشيئة العبد ومشيئة الرب، فمن شرك الألفاظ قول: (ما شاء الله وشئت) والحلف بغير الله، فإن الإنسان عند حلفه إنما يريد التعظيم، أو العزم ونحو ذلك من المقاصد، فيشيع في كثير من المسلمين الحلف بالنبي أو بالأمانة، أو بغير ذلك، فهذا مما ينبغي تأديب المسلمين في فقهه، وهذا من فقه التوحيد.
وكان إبراهيم النخعي يكره أن يقول: (أعوذ بالله وبك) : لأن (الواو) تقتضي التشريك في الاستعاذة، والاستعاذة كما ذكرنا لها جهتان: جهة ظاهرة، وجهة باطنة، أما الجهة الباطنة وهي: الالتجاء، والاعتصام، والرغب، والرهب، وإقبال القلب على المستعاذ به، فهذه لا تصلح إلا لله.
أثر علم العبد بأنه فاعل الطاعات والمعاصي على إيمانه وعبوديته
إذا علم العبد أنه هو الفاعل حقيقة للطاعات أو المعاصي كان لذلك العلم آثارًا في إيمانه وعبادته وهي كالتالي: أولًا: إذا علم ذلك فإنه لا يمكن له أن يحتج بالقدر على المعائب، فإذا عصى الله لن يقول: قدر الله علي، أو كتبه عليّ قبل أن يخلقني بخمسين ألف عام، فالقدر لا يحتج به على المعائب ولا على المعاصي.
ثانيًا: إذا علم أنه فاعل ومريد فلا بد أن يحترز من كل معصية وخطأ وزلل، وكلما نزلت عليه فتنة قال: هذه مهلكتي حتى ينقذه الله منها، ويسارع في الخيرات، ولسان حاله يقول: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (طه 84) فلعل الله يرضى عنه. [3]
الجمع بين ثبوت مشيئة العبد واختياره وبين ما ورد في تقليب الرحمن قلوب عباده
السؤال
هل يتنافى ما ذكرت من أمر القدر وأن العبد له مشيئة واختيار مع حديث: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) [4] ؟
الجواب
ليس هناك تناف، فالله عز وجل يفعل في خلقه ما يشاء، وتقليب قلوب العباد قد يكون من باب الجزاء على عمل، فقد يجعل الله ذلك من باب الجزاء على العمل، ومع ذلك فالله يفعل في عباده ما يشاء، لكن هذا لا يتنافى مع أن الله جعل كل مكلف ميسرًا لما خلق له، فمن عمل صالحًا فسيجرى به، ومن عمل غير صالح فسيجزى
(1) صحيح الجامع الصغير للألباني/ 4378 -"قد كنت أكره أن تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد"."صحيح""الحكيم والنسائي والضياء"عن حذيفة. الصحيحة 137: احمد في المسند، ابن ماجه.
(2) التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية / الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار العاصمة للنشر والتوزيع، ص 51 - 52.
(3) أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة/ محمد حسن عبد الغفار، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، http://www.islamweb.net، الدرس/ 32.
(4) كتاب السنة بتحقيق الالباني/ 222: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلب ويصرف كيف شاء) . حديث صحيح، وإسناده حسن.