الصفحة 92 من 163

للأنبياء والصالحين والعلماء، ومن ذلك قوله تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى 52) ، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة 24) ، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الصراط المستقيم، ورغب فيه، وبذل جهده في سلوك الخلق له، وهو لا يقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليه، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق.

أما الهداية الكونية: فهي هداية التوفيق والالهام، وهي خاصة بالله جل جلاله، قال تعالى: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود 88) . وليست لأحد غير الله تعالى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستهدي ربه فيقول في دعائه: (اللهم إني أسألك الهدى والسداد) [1]

فالذي يشرح الصدر ويوفق ويهدي هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال سبحانه مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص 56) ، فالهداية الكونية خاصة بالمؤمنين، الذين صدَّقوا بالله تعالى اعتقادًا وقولا وعملا واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم، فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات، قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (النساء 175) ، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان 31) ، وقوله تعالى: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) (الكهف 17) ، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) (البقرة 120) .

أما الكافرون إذا أصرُّوا على كفرهم وأصروا على طغيانهم بعد البيان وبعد الإرشاد، فإن الله يحرمهم هداية القلوب، عقوبة من الله سبحانه وتعالى، فقد قال الله تعالى فيهم: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران 86) ، وقال سبحانه: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأعراف 186) ، وقال تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين) (البقرة 258) ؛ فلظلمهم لم يهدهم الله، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة 67) ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص 50) ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المنافقون 6) ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر 3) ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر 28) ، فالهداية المنفية هنا هي هداية التوفيق، والإلهام الخاص، والإعانة الخاصة، وهي التي يسميها العلماء: هداية التوفيق.

أما قوله تعالى: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) : فالهداية هنا بمعنى الدلالة والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين؛ وقوله: (يهدي من يشاء) ، أي يهدي هداية التوفيق من يشاء، واعلم أن كل فعل يضاف إلى مشيئة الله تعالى؛ فهو مقرون بالحكمة؛ أي: من اقتضت حكمته أن يهديه فإنه يهتدي، ومن اقتضت حكمته أن يضله أضله، وقوله: (من يشاء) يعني ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إذا كان أهلًا للهداية؛ وهو أعلم حيث يجعل هدايته. والله لا يمنع فضله عن أحد إلا إذا كان هذا الممنوع هو السبب. [2]

قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ? يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الإِنْسان 30 - 31)

مَا جَاءَ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُوَفِّق مَنْ شَاءَ بِعَمَلٍ صَالِحٍ يَخْتِمُ بِهِ حَيَاتَهُ

أحاديث نبوية في هداية التوفيق (الهداية الكونية)

(1) رواه الامام مسلم في صحيحه / 2725، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(2) قلت: ومما تقدم تبين أنه لا يصح تسمية الله تعالى ب (الهادي) على سبيل الاطلاق، فلم يرد دليل في الكتاب والسنة يدل على أن اسم (الهادي) من الأسماء المطلقة، وإنما ورد مقيدا، في قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج / 54) وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان /31) ، لان هدايته تعالى خاصة بالمؤمنين، وهو سبحانه وتعالى لا يهدي القوم الظالمين، الفاسقين، الكافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت