الصفحة 94 من 163

وقال عن آل فرعون: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) (القصص 41) ، وقال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ? إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ? وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج 19 - 21) ، وقال: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) (هود 37) ، وقال: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) (هود 38) ، والفلك مصنوعة لبني آدم وقد أخبر الله تبارك وتعالى أنه خلقها بقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) (يس 42) ، وقال: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) (النحل 80) الآيات، وهذه كلها مصنوعة لبني آدم، وقال تعالى: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ? وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات 95 - 96) . فما بمعنى: (الذي) ، ومن جعلها مصدرية فقد غلط، لكن إذا خلق المنحوت كما خلق المصنوع والملبوس والمبني دل على أنه خالق كل صانع وصنعته، وقال تعالى: (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) (الكهف 17) ، وقال: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) (الأَنعام 125) ، وهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وله فيما خلقه حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة عامة وخاصة، وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته، فإنه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وقد أحسن كل شيء خلقه، وقال تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل 88) ، وقد خلق الأشياء بأسباب، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) البقرة 164)، وقال: (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (الأَعراف 57) ، وقال تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) (المائدة 16) . [1]

المبحث الحادي عشر: الواجب على العبد في باب القدر

(الواجب على العبد في هذا الباب أن يُؤمن بقضاء الله، وقدره، وأن يُؤمن بشرع الله، وأمره، ونهيه، فعليه تصديق الخبر، وطاعة الأمر(تنفيذ الامر) .

فإذا أحسن حَمِدَ الله، وإذا أساء استغفر الله، وعلم أن ذلك كله بقضاء الله وقدره؛ فإن آدم عليه السلام لما أذنب تاب، فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصرَّ واحتج فلعنه الله وأقصاه، فمن تاب كان آدميًا، ومن أصرَّ واحتج بالقدر صار إبليسيًا، فالسعداء يتبعون أباهم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس.

وبالمراعاة الصحيحة لقدر الله، وشرعه، يصير الإنسان عابدًا حقيقة فيكون مع الذين أنعم الله عليهم من أنبياء، وصديقين، وشهداء، وصالحين، وكفى بهذه الصحبة غبطة وسعادة.

وبالجملة فعليه أن يؤمن بمراتب القدر الأربع السابقة، وأنه لا يقع شيء إلا وقد علمه الله، وكتبه، وشاءه، وخلقه، ويؤمن أيضًا بأن الله أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فيفعل الطاعة، ويترك المعصية، فإذا وفقه الله

(1) مجموع الفتاوي/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 8/ 78 - 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت