وقد دخل في ذلك أفعال العباد، وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم؛ قدر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة، وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون). [1]
(وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضًا على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده، ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة، ومتفقون على أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرم فعله، بل لله الحجة البالغة على عباده) . [2]
(ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر، وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء أن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بمشيئتهم، وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله، كما قال الله تعالى:(كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ? فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ? وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) (المدثر 54 و 56) . [3]
(وبالجملة فالذي عليه سلف الأمة وأئمتها ما بعث الله به رسله وأنزل كتبه فيؤمنون بخلق الله وأمره بقدره وشرعه بحكمه الكوني وحكمه الديني وإرادته الكونية والدينية كما قال في الآية الأولى:(فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (الأَنعام 125) ، وقال نوح عليه السلام: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) (هود 34) ، وقال تعالى في الإرادة الدينية: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة 185) ، وقال: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء 26) ، وقال: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (المائدة 6) .
وهم مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه خلق الأشياء بقدرته ومشيئته يقرون بأنه لا إله إلا هو لا يستحق العبادة غيره ويطيعونه ويطيعون رسله ويحبونه ويرجونه ويخشونه ويتكلون عليه وينيبون إليه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه ويقرون بمحبته لما أمر به ولعباده المؤمنين ورضاه بذلك وبغضه لما نهى عنه وللكافرين وسخطه لذلك ومقته له ويقرون بما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من: (أن الله أشد فرحا بتوبة عبده التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها فقال تحت شجرة فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته) . [4]
فهو إلهَهُم الذي يعبدونه وربهم الذي يسألونه كما قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فهو المعبود المستعان.
والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل. فهم يحبونه أعظم مما يحب كل محب محبوبه كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة 165) ، وكل ما يحبونه سواه فإنما يحبونه لأجله كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) ، وفي الترمذي وغيره: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ، [5]
(1) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416 هـ/1995 م. 8/ 449 - 450.
(2) نفس المصدر السابق 8/ 452.
(3) نفس المصدر السابق 8/ 459.
(4) (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه و عليها طعامه و شرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي و أنا ربك! أخطأ من شدة الفرح) ، رواه مسلم في صحيحه عن أنس.
(5) صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الالباني:
3028 - (19) (حسن) وعن معاذ بْنِ أَنَسٍ رضي الله عنه؛ أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
"مَنْ أَعْطَى لله، ومَنَع لله، وأحَبَّ لله، وأبْغَضَ لله، وأنْكَحَ لله؛ فقَدِ اسْتَكْمَلَ إيْمانَهُ".
رواه أحمد والترمذي وقال: حديث"منكر"، والحاكم، وقال:"صحيح الإسناد"، والبيهقي وغيرهم.
3029 - (20) (حسن صحيح) وعن أبي أُمامَة رضيَ الله عنه؛ أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
"مَنْ أَحبَّ لله، وأبْغَضَ لله، وأعْطَى لله، ومَنَع لله؛ فقدِ اسْتَكْمَل الإِيْمانَ".
رواه أبو داود.