فهرس الكتاب
ثم طالب الفلاسفة بالدليل على كون هذه الآثار من قوى النفس، وذكر بأن من هذه الآثار أمورًا كثيرة يعترفون بأنه يمتنع كونها من آثار النفوس كالخوارق الخارجة عن قوى النفس، مثل إحياء الموتى من الآدميين والبهائم، فإن قوى النفس عندهم لا تفعل شيئا كهذا، وكذلك الطوفان الذي أغرق أهل الأرض. وإرسال الريح العقيم سبع ليال وثمانية أيام حسوما. وأما سبب انقلاب العصا حية، وخروج الناقة من الأرض فهم معترفون أيضا بأنه غير ممكن ولا يمكنهم إحالة سببه على قوى النفس (1) وكما نرى فإن هذه النظرية تنم عن قصور فهم بالطبيعات والبديهيات وجهل بالدين، وتؤدي التكذيب بمعجزات الأنبياء، مثلما أدت إلى تكذيب الوحي الحقيقي، واعتباره خيالات نفسية.
موقف المعتزلة من الكرامة
وقد أنكر المعتزلة كرامات الأولياء جملة وتفصيلا، وفي مقدمتهم القاضي عبد الجبار وكذلك الجبائي، وذلك انسجامًا مع عقليتيهما الاعتزالية فقال الأول منهما (( فلا كرامة لولي أو صحابي(2) وذلك كرد فعل مفرط في مقابل إفراط الصوفية في ادعاء الكرامات.
ويذكر لنا أحد المعتزلة المحدثين أن سلفه من المعتزلة (( بلغت بهم عقلانيتهم حدًا أنكروا معها بعض المعجزات التي حدثت لنبينا صلى الله عليه وسلم و منها معجزة انشقاق القمر الأمر الذي أثار الجدل والخلاف بين النظام والقاضي حيث شك النظام(3) في إمكانية وقوعها من خلال الواقع التجريبي الذي يؤكد الظواهر وارتباطها الزمني كحدث عام، مؤكدا أنه لو أنشق القمر كما قيل لعلم بذلك عموم الناس غربا وشرقا لمشاهدتهم له (4) .
(1) الصفدية 1: 181- 186.
(2) المغني التنبؤات والمعجزات 15: 414 وانظر 16: 152- 414.
(3) هو القاضي عبد الجبار من كبار المعتزلة.
(4) العقل والحرية 350-351 د. عبد الستار الراوي ط . المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت .