فهرس الكتاب
ورد القاضي عليه بأنه يمكن القول بأن الغيوم قد حجبت الناس عن رؤية الانشقاق (1) . ومع هذا فقد جعل إنكار المعتزلة للكرامات يتسم بقدر كبير من الموضوعية والعقلانية في تخليص الفكر الإسلامي من ميثولوجيا السلف الصوفي، كما أنها تعزز النبوة بما تمثله من التعاليم الشرعية وما تقوم عليه من تأسيس إعجازي ينفرد بذاته لا يقبل المشاركة معه (2) .
وفي قوله نظر، فإن إنكار الكرامات لا يعزز النبوة بل يطعن بما جاءت به من عند الله كقصة مريم التي حكى القرآن أنه كانت تأتيها فاكهة الشتاء في فصل الصيف، وغيره مما وقع للصحابة.
وقد كان بالإمكان معالجة إفراط المتصوفة بطريقة لا تؤدي إلى التفريط من جانب آخر.
لقد ظن المعتزلة أن لا خارق للعادة إلا لنبي، لكونه الآية على صدقه، فالتزموا إنكار الخوارق التي تقع للصالحين وأنكروا أن يكون للسحر تأثير خارج عن العادة مثل أن يموت ويمرض بلا مباشرة شيء، وأنكروا الكهانة وأن تكون الجن تخبر ببعض المغيبات (3) . ثم اضطروا إلى إنكار وتكذيب ما يأتي به الدجال من المخاريق قائلين: ما معه إلا التمويه كما قالوا في السحر والكهانة (4) .
موقف الأشاعرة من الكرامة
ومفهوم خرق العادة عندهم
ثم جاء الأشاعرة بعد المعتزلة فوافقوا أهل السنة في أصل ثبوت الكرامة لكن لم يفرقوا بينها وبين المعجزة من جهة، وبينها وبين السحر من جهة أخرى، جاعلين الكل خرق عادة، فقيل لهم: فميزوا بين هذا وبين المعجزات فقالوا لا فرق (5) ثم حاولوا بعد ذلك التفريق بفروق ضعيفة لا يحصل بها التفريق مثل قولهم:
(1) نفس المصدر والصفحة.
(2) نفس المصدر 349.
(3) أنظر النبوات 102 ط. الكتب العلمية -بيروت.
(4) أنظر النبوات 216.
(5) النبوات 102.