أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة واحدة، إن كنت صادقًا، فأنت أجل في عيني من أرد عليك، وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أرد عليك.
فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم، بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر
2 -ما من أحد ادعى النبوة من الكذابين، إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور، واستحواذ الشياطين عليه، ما ظهر لمن له أدنى تمييز.
وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين، إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر، وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز بل كل شخصين ادعيا أمرًا من الأمور، أحدهما صادق في دعواه، والآخر كاذب، فلا بد أن يبين صدق هذا، وكذب هذا، من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور.
والناس يميزون بين الصادق والكاذب، بأنواع من الأدلة، حتى في المدعين للصناعات والمقالات، كالفلاحة والنساجة والكتابة، فما من أحد يدعي العلم بصناعة، أو مقالة، إلا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة، وكذلك من أظهر قصدًا وعملًا، كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة، وأمثال ذلك من الأخلاق، فإنه لابد أن يتبين صدقه أو كذبه من وجوه متعددة.
والنبوة مشتملة على علوم وأعمال، لابد أن يتصف بها الرسول، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب، ولا يتبين صدق الصادق، وكذب الكاذب من وجوه كثيرة.
3 -أن صدق النبي يعرف بما يقترن به من القرائن، ولايختص بالمعجزة، ولهذا استدلت خديجة رضي الله عنها، على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بمكارم أخلاقه، ومحاسن شيمه. [1]
وكذلك قصة هرقل، وسؤاله عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله، وقد كاد أن
(1) انظر صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 3 (3) ، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم (160) .