وكتابه هذا من أعظم الكتب نفعًا، وفي ذلك يقول ابن القيم: (وكتاباه [1] من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما) [2] .
المبحث الثاني: عرض الكتاب
ابتدأ كتابه بحمد الله ووصفه بصفاته الحسنى، وفي ذلك ردٌ على الجهمية النفاة، ثم ذكر بداية الإسلام ودعوة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لأمته، ودخول الناس عجمهم وعربهم فيها، وعدم ظهور شيء من البدع في ذلك الزمان، حتى خرج الجعد [3] بالبصرة وجهم [4] بخراسان.
ثم بدأ بسرد ما ورد في عدم الخوض في كلام الله وسنة رسوله بالجهل، ونقل عن أبي بكر الصديق في ذلك أثرًا [5] ، ثم أخذ في سرد الوساوس التي تأتي العبد من الشيطان، كالسؤال عن ذات الله وكيفيتها، وكيف خلق المخلوقات [6] ،ثم بيّن ــ رحمه الله ــ أنه لم ولن يستطرد في نقل كلام المعطلة ودعواهم، وذلك للمصلحة العامة، مخافة بث الشكوك في قلوب الناس، وعزز رأيه هذا بقول ابن المبارك [7] : (لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب إليّ من أن أحكي كلام الجهمية) [8] .
باب الإيمان بالعرش
بعد ذلك بدأ في سرد مانفته الجهميّة المعطّلة، وذكر أول ماذكر: العرش، فقال: (باب الإيمان بالعرش) [9] .
ثم أخذ بسرد ماورد في إثباته، مستدلًا بآي الكتاب، كقوله تعالى: الرحمن على العرش استوى { [10] ، وقوله تعالى:} ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرًا [11] .
وأنكر طريقة إيمانهم المجرّدة عن وصف الله بما ثبت له ــ سبحانه ــ، من استواءه على عرشه على مايليق به ــ سبحانه ــ.
وردّ على من ادعى أن العرش هو السماوات والأرض ومافيهن، وناقشهم في ذلك مستدلًا بالكتاب والسنة [12] .
ثم واصل سرد الأدلة الدالة على ثبوت العرش [13] ، ثم قال في نهاية هذا الباب: (ففي ماذكرنا من كتاب الله ــ عزوجل ــ، وفي هذه الأحاديث بيانٌ بيِّنٌ أن العرش كان مخلوقًا قبل ما سواه من الخلق، وأن ما ادعى فيه هؤلاء المعطلة، تكذيب بالعرش، وتخرّص بالباطل) [14] .
(1) يعني: (الرد على الجهميّة) و (النقض على بشر المريسي) .
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن القيم: (1/ 143) .
(3) الجعد بن درهم، عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، سير أعلام النبلاء: (5/ 433) .
(4) الجهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز، قال بالجبر وأن الإيمان هو المعرفة فقط، وأثر على عامة الفرق الكلامية. الأعلام: (2/ 141) .
(6) (21ــ 24) .
(7) أبو عبدالرحمن عبدالله بن المبارك الحنظلي المروزي، توفي سنة (181) ، سير أعلام النبلاء: (8/ 378ـ 421) .
(8) السنة لعبد الله بن أحمد: (8، 35) .
(10) سورة طه: (5) .
(11) سورة الفرقان: (59) .
(13) (28 ــ 32) .