باب استواء الرب [1] ــ سبحانه ــ على العرش وارتفاعه إلى السماء وبينونته من خلقه
وبعد أن أثبت العرش انتقل إلى صفة من صفات الله، لها تعلق بالعرش، وهي: (استواء الله ــ تبارك وتعالى ــ على عرشه) [2] ، وذكر مايلزم من هذه الصفة، وهو العلو للعلي العزيز ــ سبحانه وتعالى ــ.
فذكر أن مما أنكره الجهمية صفة الاستواء والعلو لله، ثم ساق الأدلة على إثبات ذلك من كتاب الله، كقوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [3] .
وقوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير { [4] ،وقوله تعالى:} يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون مايؤمرون [5] .
ثم ذكر دعوى القوم؛ بأنهم أقروا بهذه الآيات بألسنتهم، ونقضوا دعواهم بدعوى غيرها، فقالوا: (الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان) ، وأن الاستواء هو الاستيلاء [6] .
فردّ عليهم ـ رحمه الله ــ برد عقلي مفحم بقوله: (فهل من مكان لم يستولِ عليه ولم يعله، حتى خصّ العرش من بين الأمكنة بالاستواء عليه، وكرر ذكره في مواضع كثيرة من كتابه؟ فأي معنى إذًا لخصوص العرش، إذا كان عندكم مستويًا على جميع الأشياء كاستوائه على العرش ــ تبارك وتعالى ــ؟) [7] .
ثم ردّ مقولتهم: (هو في كل مكان) ، وبين بطلانها [8] ، وردّ عليهم مااستدلوا به من قوله تعالى: مايكون من نجوى .... ــ إلى قوله تعالى ــ إلا هو معهم أينما كانوا، ثم ينبّئهم بما عملوا يوم القيامة [9] ، وأنها دليل عليهم لا لهم، في إثبات صفة العلم لله من فوق عرشه كما دلّ على ذلك أول الآية وآخرها [10] .
واستدل لذلك ــ أيضًا ــ بما ورد عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وأصحابه والتابعين، وإجماع الناس؛ العالم منهم والجاهل؛ أن كل أحد إذا سأل الله أو دعاه أو استغاثة رفع بصره إلى السماء [11] .
ثم أخذ في سياق ماورد من إثبات علو الله واستواءه على عرشه [12] ، واستدل بحديث الجارية [13] على أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ جعل أمارة الإيمان: معرفتها أن الله في السماء [14] ، ثم استدل بدليل عقلي قوي ــ أعجبني كثيرًا ــ وهو قول النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (أين الله؟) ، وفيه:
تكذيب لقولهم، لأن الموجود في كل مكان لا يُسأل عنه بـ (أين) [15] .
(1) قلت: والتعبير بلفظ (الله) أولى، مجانبة لإطلاق النصارى.
(3) سورة الأعراف: (54) .
(4) سورة الأنعام: (18) .
(5) سورة النحل: (50) .
(9) سورة المجادلة: (7) .
(13) (37، رقم 60) .
(14) رواه مسلم: (537) ، وابن حبان في صحيحه: (165) ، و أبو داود: (930) .