ثم أخذ في الاستطراد في سرد الأدلة على إثبات العلو، وكان مما استدل به حديث المطر، الذي حسر فيه النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن جسدهِ ثوبَهُ، وقال: (حديث عهد بربه) [1] .
وجه الدلالة: أنه لما كان المطر حديث عهد بربه، وهو قد جاء من العلو، دلّ على علو الله [2] .
ثم أكمل ماابتدأ به، من أدلة إثبات علو الله ــ سبحانه ــ ...
ويتوقف عند حديث: (إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة، أتاه ملك النفوس فعرج به الرب في راحته ... الحديث) [3] فيقول: (وإلى من يعرج الملك بالمني، والله بزعمكم الكاذب في رحم المرأة وجوفها مع المني) [4] ، إشارة إلى قولهم: الله في كل مكان.
باب الاحتجاب
بعد ذلك انتقل إلى وجه آخر يثبت به العلو، وهو احتجاب الله ــ عزوجل ــ من الخلق فوق السماوات السبع [5] ــ أي أنه يحتجب وهو في العلو ــ، فاستدل على احتجاب الله عن مخلوقاته بقوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب [6] ، وبحديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ... حجابه النور) [7] ، ثم قال في نهاية الباب: (والآثار التي جاءت عن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في نزول الرب ــ تبارك وتعالى ــ تدل على أن الله ــ عزوجل ــ فوق السماوات على عرشه، بائن من خلقه) [8] .
باب النزول
ويستطرد في إثبات علو الله؛ بأنه ــ سبحانه ــ ينزل، ولا ينزل إلا مَن كان في علو، ويستدل على ذلك من كتاب الله، يقول تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر [9] ، ثم ذكر حديث نزول الله [10] في الثلث الأخير من الليل [11] ، وساق أحاديثًا في نفس المعنى من طرق متعددة [12] .
باب النزول ليلة النصف من شعبان
وساق تحته حديث أبي بكر، أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل نفس إلا مشرك بالله ومشاحن) [13] .
(1) رواه مسلم: (898) ، ورواه ابن حبان في صحيحه: (6135) ، ورواه أبو داود: (5100) .
(3) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره: (28/ 119) .
(6) سورة الشورى: (51) .
(7) رواه مسلم: (179) ، ورواه ابن حبان في صحيحه: (266) ، ورواه ابن ماجه: (195) .
(9) سورة البقرة: (210) .
(11) رواه البخاري: (1094) ، ومسلم: (758) .
(13) قال محقق الكتاب: (اسناده ضعيف، إلا أن له شواهد من حديث كل من: أبي ثعلبة، وعائشة، وأبي موسى الأشعري، وعبدالله بن عمرو، ومعاذ بن جبل، ــ إلى أن قال ــ: فالحديث ثابت بهذه الطرق، والله أعلم) (69 - 70) ، قلت: والذي عليه المحققون من أهل العلم؛ أن ليلة النصف من شعبان لاتخص بطاعة دون غيرها، وأن كل ماورد في فضلها ضعيف مردود، قال الحافظ ابن رجب ـــ رحمه الله ــ في كتابه: (لطائف المعارف) ما نصه: (وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية .... ــ إلى أن ذكر الخلاف الوارد في إحيائها على قولين ـ القول الثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، ... وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى) . (ص161) ، وإلى هذا الرأي مال سماحة العلاّمة ابن باز، وابن عثيمين (انظر موقع: صيد الفوائد على الشبكة العنكبوتية، ملف شعبان) .