الصفحة 13 من 357

وأورد ابن ناصر الدين الدمشقي قول أبي المظفر السرمري في المجلس السابع والستين من أماليه في الذكر والحفظ: =ومن عجائب ما وقع في الحفظ في أهل زماننا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية؛ فإنه كان يمر بالكتاب، فيطالعه مرة، فينتقش في ذهنه، فيذاكر به، وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه.

ومن أعجب ما سمعته عنه ما حدثني به بعض أصحابه: أنه لما كان صبيًا في بداية أمره أراد والده أن يخرج بأولاده يومًا إلى البستان على سبيل التنزه، فقال له: يا أحمد تخرج مع إخوتك تستريح؛ فاعتلَّ عليه، فألحَّ عليه والده؛ فامتنع أشد الامتناع، فقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج، فتركه وخرج بإخوته، فظلوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار، فقال: يا أحمد أوحشت إخوتك اليوم، وتكدّر عليهم بسبب غيبتك عنهم؛ فما هذا؟

فقال: يا سيدي! إنني اليوم حفظت هذا الكتاب؛ لكتاب معه، فقال: حفظته؟! كالمنكر المتعجب من قوله.

فقال له: استعرضه عليَّ، فاستعرضه؛ فإذا به قد حفظه جميعه، فأخذه وقبَّله بين عينيه، وقال: يا بني لا تخبر أحدًا بما قد فعلت؛ خوفًا عليه من العين، أو كما قال+ [1] .

وقال الحافظ الذهبي × _ متحدثًا عن نشأة ابن تيمية _: =نشأ في تصوِّن تام، وعفاف، وتألُّه، وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس، والمحافل في صغره، ويناظر، ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم؛ فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقلّ، وشرع في الجمع، والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال ومات والده، وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، فدرس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره، وبَعُدَ صيتُه في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجُمَعِ على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس، ولا يتلعثم، وكذا كان الدرس بتؤدة، وصوت جهوري فصيح+ [2] .

(1) الرد الوافر لابن ناصر الدين ص218_219.

(2) العقود الدرية ص7_8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت