وقال ابن عبدالهادي × متحدثًا عن نشأة ابن تيمية: =وقال بعض قدماء أصحاب شيخنا _ وقد ذكر نبذة من سيرته _: أما مبدأ أمره ونشأته فقد نشأ من حين نشأ في حجور العلماء راشفًا كؤوس الفهم، راتعًا في رياض التفقه، ودوحات الكتب الجامعة لكل فن من الفنون، لا يلوي إلى غير المطالعة، والاشتغال، والأخذ بمعالي الأمور خصوصًا علم الكتاب العزيز، والسنة النبوية ولوازمها.
ولم يزل على ذلك خلفًا صالحًا سلفيًا متألهًا عن الدنيا صَيِّنًا تقيًا، برًا بأمه، ورعًا عفيفًا، عابدًا ناسكًا، صوامًا قوامًا، ذاكرًا لله _تعالى_ في كل أمر، وعلى كل حال، رجاعًا إلى الله _تعالى_ في سائر الأحوال والقضايا، وقافًا عند حدود الله _تعالى_ وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر بالمعروف، لا تكاد نفسه تشبع من العلم؛ فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث، وقَلَّ أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حذاق أهله، مقصودُه الكتاب والسنة.
ولقد سمعته في مبادىء أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء، أو الحالة التي تشكل عليَّ، فأستغفر الله _تعالى_ ألف مرة أوأكثر أو أقل؛ حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل.
قال: وأكون إذ ذاك في السوق، أو المسجد، أو الدرب، أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر، والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي.
قال هذا الصاحب: ولقد كنت في تلك المدة، وأول النشأة إذا اجتمعت به في ختم، أو مجلس ذكر خاص مع أحد المشايخ المذكورين، وتذاكروا، وتكلم مع حداثة سنه أجد لكلامه صولة على القلوب، وتأثيرًا في النفوس، وهيبة مقبولة، ونفعًا يظهر أثره، وتنفعل له النفوس التي سمعته أيامًا كثيرة بعقبه حتى كان مقالُه بلسان حالِه وحالُه ظاهر له في مقاله شهدت ذلك منه غير مرة.