وله يد طولى في معرفة العربية، والصرف، واللغة، وهو أعظم من أن يصفه كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي؛ فإن سيرته، وعلومه، ومعارفه، ومحنه، وتنقلاته تحتمل أن ترصع في مجلدتين.
وهو بشر من البشر له ذنوب، فالله _تعالى_ يغفر له، ويسكنه أعلى جنته؛ فإنه كان رباني الأمة، وفريد الزمان، وحامل لواء الشريعة، وصاحب معضلات المسلمين، وكان رأسًا في العلم يبالغ في إطراء قيامه في الحق والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لحظتها من فقيه+ [1] .
وقال في مكان آخر: =وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم، وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة، والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، ولكن الإحاطة لله غير أنه يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
وأما التفسير فَمُسَلَّم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن وقت إقامة الدليل بها على المسألة قوة عجيبة، وإذا رآه المقرىء تحير فيه.
ولفرط إمامته في التفسير، وعظمة اطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، ويوهي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دل عليه القرآن والحديث+ [2] .
وقال عنه الحافظ البزار [3]
(1) العقود الدرية ص22_23.
(2) العقود الدرية ص23.
(3) هو الفقيه المحدث سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى الخليل البغدادي الأزجي الحنبلي البزار.
ولد في بغداد سنة 688هـ تقريبًا، عني بالقرآن الكريم، كما عني بالفقه، وقرأ على كثير من علماء عصره، واتصل بشيخ الإسلام ابن تيمية، فرعاه أعظم رعاية، فقرأ عليه البزار بعض مؤلفاته، ولازمه؛ فأثر فيه شيخ الإسلام أعظم تأثير، وقد توفي البزار عام 749هـ. انظر ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب الحنبلي، مطبعة السنة المحمدية، تحقيق: محمد حامد الفقي، 1372هـ، 2/444_445، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبدالحي بن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2، 1399هـ، 6/163.