الصفحة 28 من 357

وقال: =وحدثني من أثق به: أن الشيخ × كان لا يرد أحدًا يسأله شيئًا كَتَبَهُ، بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما يشاء منها.

وأُخْبِرْنا أنه جاءه يومًا إنسان يسأله كتابًا ينتفع به، فأمره أن يأخذ كتابًا يختاره، فرأى ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفًا قد اشتُري بدراهمَ كثيرةٍ، فأخذه ومضى، فلام بعض الجماعة الشيخ في ذلك، فقال: أيحسن بي أن أمنعه بعدما سأله؟ دعه فلينتفع به.

وكان الشيخ × ينكر إنكارًا شديدًا على من يُسأل شيئًا من كتب العلم ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه+ [1] .

أما عن خشوعه، ومسكنه، وتذلله، وافتقاره إلى الله _عز وجل_ فكان يقضى منه العجب، وتقدم شيء من ذلك.

يقول تلميذه العلامة ابن القيم × في معرض حديث له في منزلة الخشوع في كتابه الماتع مدارج السالكين: =فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة، والفاقة والذل، وأنه لا شيء، وأنه ممن لم يَصِحَّ له بعدُ الإسلام حتى يدَّعي الشرف فيه.

ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية _ قدس الله روحه _ من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: مالي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:

أنا المكدِّي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدِّد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا.

وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:

أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسيكين في مجموع حالاتي

أنا الظلومُ لنفسي وهي ظالمتي ... والخيرُ إن يأتِنا من عنده ياتي

لا أستطيع لنفسي جَلب منفعةٍ ... ولا عن النفس لي دفع المضراتِ

وليس لي دونه ربٌّ يدبرني ... ولا شفيعٌ إذا حاطت خطيئاتي

إلا بإذن من الرحمن خالقِنا ... إلى الشفيع كما قد جا في الآياتِ

ولست أملك شيئًا دونه أبدًا ... ولا شريكٌ أنا في بعض ذراتِ

(1) الأعلام العلية ص68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت