الصفحة 27 من 357

فقال: قد جعلت الكل في حل مما جرى+ [1] .

وقال البزار عن زهده: =ولقد اتفق كل من رآه خصوصًا من أطال ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورًا؛ بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها.

بل لو سُئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية _رحمة الله عليه_+ [2] .

وقال عن تواضعه: =أما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك؛ كان يتواضع للكبير، والصغير، والجليل، والحقير، والغني الصالح، والفقير.

وكان يدني الفقير الصالح، ويكرمه، ويؤنسه، ويباسطه بحديثه المُسْتَحْلَى زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته؛ جبرًا لقلبه، وتقربًا بذلك إلى ربه.

وكان لا يسأم ممن يستفتيه، أو يسأله، بل يقبل عليه ببشاشة وجه، ولين عريكة، ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه كبيرًا أو صغيرًا، رجلًا أو امرأة، حُرًَّا أو عبدًا، عالمًا أو عاميًَّا، حاضرًا أو باديًا.

ولا يجبهه، ولا يحرجه، ولا ينفره بكلام يوحشه، بل يجيبه، ويفهمه، ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط+ [3] .

وقال عن كرمه: =كان × مجبولًا على الكرم، لا يتطبعه ولا يتصنعه؛ بل هو له سجية، وقد ذكرت فيما تقدم أنه ما شد على دينار ولا درهم قط، بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله.

وكان لا يرد من يسأله شيئًا يقدر عليه من دراهم ولا دنانير، ولا ثياب ولا كتب ولا غير ذلك، بل ربما كان يسأله بعض الفقراء شيئًا من النفقة، فإن كان حينئذ متعذرًا لا يَدَعُه يذهب بلا شيء، بل كان يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إليه، وكان ذلك المشهور عند الناس من حاله+ [4] .

(1) العقود الدرية ص221.

(2) الأعلام العلية ص47_48.

(3) الأعلام العلية ص52.

(4) الأعلام العلية ص65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت