الصفحة 26 من 357

قال ابن القيم في معرض حديث له عن حسن الخلق، والعفو، ومقابلة الإساءة بالإحسان: =وما رأيت أحدًا أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام _قدَّس الله روحه_.

وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه.

وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم، وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوةً وأذىً له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزَّاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجونه فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا الكلام، فسرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه+ [1] .

وقال ابن عبدالهادي ×: =وسمعت الشيخ تقي الدين × يذكر أن السلطان لما جلسا بالشباك أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم.

قال [2] : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديدًا عليهم؛ لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير؛ فشرعت في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من حقي، ومن جهتي، وسكَّنت ما عنده عليهم.

قال: فكان القاضي زيد الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية؛ لم نُبْقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا.

ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، وعاد إلى بث العلم، ونشره، والخلق يشتغلون عليه، ويقرأون، ويستفتونه، ويجيبهم بالكلامِ، والكتابةِ، والأمراءُ، والأكابرُ، والناسُ يترددون إليه، وفيهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع.

(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق وتعليق المعتصم بالله البغدادي، توزيع دار النفائس، الرياض ط1، 1410هـ 2/328_329.

(2) القائل هو ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت