وقال ابن عبدالهادي ×: =وفي أول شهر رمضان من سنة اثنتين وسبعمائة، كانت وقعة شقحب المشهورة، وحصل للناس شدة عظيمة، وظهر فيها من كرامات الشيخ، وإجابة دعائه، وعظيم جهاده، وقوة إيمانه، وشدة نصحه للإسلام، وفرط شجاعته، ونهاية كرمه، وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت، ويتجاوز الوصف.
ولقد قرأت بخط بعض أصحابه، وقد ذكر هذه الواقعةَ وكثرةَ مَنْ حضرها مِنْ جيوش المسلمين قال: واتفقت كلمة إجماعهم على تعظيم الشيخ تقي الدين ومحبته، وسماع كلامه، ونصيحته، واتعظوا بمواعظه، وسأله بعضهم مسائل في أمر الدين، ولم يبق من ملوك الشام تركي ولا عربي إلا واجتمع بالشيخ في تلك المدة، واعتقد خيره، وصلاحه، ونُصْحَه لله ولرسوله وللمؤمنين+ [1] .
وقال البزار ×: =كان ÷ من أشجع الناس، وأقواهم قلبًا.
ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناءً في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم.
وأخبَرَ غيرُ واحدٍ أن الشيخ ÷ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتَهُم، وقطبَ ثباتهم، إنْ رأى من بعضهم هلعًا، أو رِقَّةً، أو جبانةً _ شَجَّعَه، وثبَّته، وبشره، ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبيَّن له فضل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السكينة.
وكان إذا ركب الخيل يتَحَنَّك [2] ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرًا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت.
وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورًا عظيمة يعجز الواصف عن وصفها.
قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله، ومشورته، وحسن نظره+ [3] .
(1) العقود الدرية ص146.
(2) التحنيك: هو وضع العمامة تحت الذقن، ولف طرفيها على الرأس.
(3) الأعلام العلية ص69_70.