الصفحة 32 من 357

وقال: =إن استعانة خصوم ابن تيمية بقوة رجال الدولة في مسألة شد الرحال إلى قبور الأنبياء، والأولياء، والصالحين وفي غير ذلك من البدع التي أقروها، والشريعةُ تنكرها إنكارًا ظاهرًا كما يفهم من آي الكتاب العزيز، وهدي الصحابة، والتابعين، والعلماء العاملين، واغتباطهم بما ظنوه ظفرًا لهم في تلك المعركة الشديدة _ قد كان من نتائجه مسخ الشريعة عند المتأخرين، وبقيت الأمة على إقرار الخرافات، والبدع إلى يوم الناس هذا في بلاد المسلمين كافة، وكأنهم اخترعوا شريعة أخرى استمالوا بها العوام، ومزجوها بالشريعة الأصلية رغم أنوف الخواص؛ فركبوا عار الأبد، ولعنوا بما بدلوا وحرفوا، هو لم يأت ببدع، وهو سلموا بكل البدع، فكان العالِمُ العاملُ حقًا، وكانوا عَبَدَة أوهام وضلالات.

أراد شرعًا نقيًا من الأدران، وهم تساوت عندهم النقاوة والنفاية؛ لأنهم يقصدون بمناقشاتهم الظهور، وكسب قلوب الغوغاء على أي حال.

لو عمت دعوة ابن تيمية _ولِدعوته ما يماثلها في المذاهب الإسلامية، ولكنها عنده كانت حارة، وعند غيره فاترة_ لسلم هذا الدين من تخريف المخرفين على الدهر، ولما سمعنا أحدًا في الديار الإسلامية يدعو لغير الله، ولا ضريحًا تشد إليه الرحال بما يخالف الشرع، ولا يعتقد بالكرامات على ما ينكره دين أتى للتوحيد لا للشرك، ولسلامة العقول لا للخبال والخيال+ [1] .

سابعًا: فراسته الصادقة

الفراسة هي التأمل، والتثبت، وصحة النظر.

وسببها _ كما يقول ابن القيم _ نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.

وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده، يثب على القلب وثوب الأسد على الفريسة.

وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان؛ فمن كان أقوى إيمانًا فهو أحدُّ فراسة [2] .

(1) كنوز الأجداد ص366_367.

(2) انظر مدارج السالكين لابن القيم 2/453_454.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت