فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 217

لما ذكر في الترجمة السابقة وجوب التوحيد، وأنه الفرض الأعظم على جميع العبيد، ذكر هنا فضله، وآثاره الحميدة، ونتائجه الجميلة، وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة، مثل التوحيد، فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله.

وقول المؤلف: (وما يكفر من الذنوب) من باب عطف الخاص على العام، فإن مغفرة الذنوب وتكفير الذنوب من بعض فضائله وآثاره.

م/ (وقول الله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

{الذين آمنوا} أي: وحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، وآمنوا أن إلههم الحق.

{ولم يلبسوا} لم يخلطوا، ولبس الشيء بالشيء: تغطيته به، وإحاطته به من جميع جهاته.

{إيمانهم} توحيدهم.

{بظلم} الظلم هنا المقصود به الشرك.

ولذلك روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: (لما نزلت هذه الآية {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قلنا يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه، فقال - صلى الله عليه وسلم:"ليس الأمر كما تظنون، إنما المراد به الشرك، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح: إن الشرك لظلم عظيم") .

قال شيخ الإسلام: (الذي شق عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد لنفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دلهم على أن الشرك ظلمٌ في كتاب الله، وحينئذٍ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبسوا إيمانهم بظلم) .

{أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}

قيل: {لهم الأمن} أي في الآخرة، {وهم مهتدون} أي في الدنيا.

وقيل: {لهم الأمن} أي الأمن الكامل إذا لم يأتوا بكبيرة، {وهم مهتدون} أي في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل، وفي الآخرة إلى الجنة.

{لهم الأمن} هل أمن كامل أم لا؟

نقول: إن كان إيمانه كاملًا وسليمًا من المعاصي فله الأمن الكامل، وأما إذا سلم من الشرك الأكبر ولم يسلم من الشرك الأصغر وبعض الذنوب، فهدايته وأمنه ليس كاملًا.

مثال ذلك: مرتكب الكبيرة آمن من الخلود في النار، وغير آمن من العذاب، بل هو تحت المشيئة.

وأما من وافى الله محققًا للتوحيد، فإنه آمن أمنًا مطلقًا، آمن من الخلود في النار، وآمن من العذاب.

قال شيخ الإسلام: (فمن سلم من أجناس الظلم الثلاث، يعني الظلم الذي هو الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام) . أ. هـ

المعنى الإجمالي للآية:

يخبر سبحانه أن الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يخلطوا توحيدهم بشرك هم الآمنون المهتدون في الدنيا والآخرة

مناسبة الآية للباب:

أنها دلت على فضل التوحيد وتكفيره للذنوب.

من فوائد الآية:

1 -دلت الآية على فضل التوحيد وتكفيره للذنوب، لأنه من أتى به تامًا فله الأمن والاهتداء التام، ودخل الجنة بلا عذاب.

2 -أنه كلما انتفى الظلم وُجد الأمن والاهتداء، وكلما كمل التوحيد، وانتفت المعصية، عظم الأمن والاهتداء

3 -أن الشرك أعظم الظلم.

-والظلم أنواع:

أولًا / الشرك بالله، وهو أعظم الظلم كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} .

ثانيًا / ظلم العبد نفسه بالمعاصي، قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت