فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 217

المسلك الثاني: قال بعض العلماء: أن قوله: (لا عدوى) على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تعدي بطبعها، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم لبيبين لهم أن هذا من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إثبات أنها لا تستقل بشيء، بل أبقى على قواها فأثرت.

ورجح هذا القول البيهقي وابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح.

قوله (ولا طيرة) يحتمل: لا تتطيروا: نهي. ويحتمل: لا طيرة موجودة مؤثرة.

وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ومنّا أناس يتطيرون قال: ذلك يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم) .

فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصدّه لا ما رآه وسمعه.

قال عكرمة: " كنا جلوسًا عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم خيرٌ خير، فقال ابن عباس: لا خيرٌ ولا شر، فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر ".

(ولا هامة) قال الفراء: " طيرٌ من طيور الليل، كأنه يعني البومة ".

قال ابن الأعرابي: " كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نعت إلى نفسي أو أحدًا من أهل داري، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله ".

والنفي في الحديث نفي لما كانت تعتقده العرب.

(ولا صفر) قيل: هي حبة تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.

فعلى هذا: فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى، ويكون عطفه على العدوى من عطف الخاص على العام.

وقال آخرون: المراد به شهر صفر.

قال ابن رجب: " لعل هذا القول أشبه الأقوال، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء.

(ولا نوء) النوء واحد الأنواء. [وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله]

(ولا غول) قال أبو السعادات: " الغول واحد الغيلان، وهو جني من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس، تتلون تلونًا في صور شتى، وتغولهم، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبطله ".

فيكون المعنى بقوله (لا غول) أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا مع ذكر الله والتوكل عليه.

مناسبة الحديث للباب:

حيث دل الحديث على إبطال التطير.

من فوائد الحديث:

1 -أن الأمراض لا تعدي بنفسها، وإنما بقضاء الله وقدره.

2 -إبطال التطير وتأثيره.

3 -إبطال زعم الجاهلية في طير الهامة.

4 -إبطال التشاؤم في شهر صفر.

5 -إبطال ما زعمه أهل الجاهلية في الغيلان.

6 -وجوب التوكل على الله والاعتماد عليه.

7 -أن من تحقيق التوحيد الحذر من الوسائل المفضية إلى الشرك.

ولهما عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة) . رواه البخاري (5776) ومسلم (2224)

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

(ولهما) أي البخاري ومسلم.

(الفأل) هو ما يحدث للإنسان من الفرح والسرور من صوت يسمعه، أو حال يتحرى عليه يؤمل منها الخير ونحو ذلك.

(الكلمة الطيبة) لأن الكلمة الطيبة في الحقيقة تفتح القلب، وتكون سببًا لخيرات كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت