فهرس الكتاب
اعلم ـ هدانا الله وإياك ـ أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه المقدورات بها وجرت سنته في خلقه عليها.
فإنه تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فكلاهما عبادة تعبدنا سبحانه بها.
قال ابن القيم: " وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد ".
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا} .
وقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين} .
وقال تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} .
وجه الدلالة من الآيات:
هو أنه سبحانه مع أمره بالتوكل في آيات كثيرة، فهو جلت قدرته يأمر في هذه الآيات وأشباهها بأخذ الأسباب وتعاطيها، سواء كان ذلك في تحقيق النصر على العدو، أو كان ذلك في طلب الرزق والحصول على لقمة العيش، أو كان ذلك في تحصيل الهداية واجتناب الغواية ... أو غير ذلك.
وأما بيان هذه الحقيقة من الهدي النبوي:
فحياته - صلى الله عليه وسلم - وهديه كله تأكيد وتبيين لهذه الحقيقة.
• فقد كان سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد المتوكلين يطوف على القبائل ويقول: (من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي)
• ولما هاجر إلى المدينة استأجر دليلًا مشركًا على دين قومه ليدله على الطريق.
• وكان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍ أو عمرةٍ حمل الزاد والمزاد.
• وظاهر - صلى الله عليه وسلم - بين درعين يوم أحد، وحفر الخندق يوم الأحزاب.
• وكان - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه تعالى يدخر لعياله قوت سنة.
• وعن أنس - رضي الله عنه - قال: (جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ فقال: اعقلها وتوكل) . رواه الترمذي
وعن ابن عباس قال:(حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا له:
{إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا} ). رواه البخاري (4563)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(حسبنا الله) أي كافينا فلا نتوكل إلا عليه، قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده} .
(ونعم الوكيل) أي نعم الموكول إليه، كما قال تعالى: {اعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} .
(قالها إبراهيم حين ألقي في النار) قال تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم. وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأسفلين} .
(وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - ... ) وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد، بلغه أن أبى سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبعين راكبًا، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فرجع على مكة بمن معه، ومرّ به ركب ابن عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: فهل أنتم مبلغون محمدًا عني رسالة؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمرّ الركب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: {حسبنا الله ونعم الوكيل} .
مناسبة الأثر للباب:
أن فيه هذه الكلمة التي هي كلمة التفويض والاعتماد على الله، وهي الكلمة التي تقال عند الكروب والشدائد.